
مقال 5 دقائق للقراءة
ذو الوجهين، وحفظ أعراض المسلمين، وضوابط مجالس الغيبة
إن شر الناس ذو الوجهين
الحمد لله الذي أمر بالصدق والعدل، ونهى عن الكذب والبهتان، وصان أعراض المؤمنين، وجعل حفظ اللسان من أعظم أبواب التقوى، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علّم أمته مكارم الأخلاق، وحذّرها من مسالك الفتن والوقيعة، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال النبي ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه. فمن هو ذو الوجهين؟ هو الذي يتردد بين فئتين أو شخصين بينهما خصومة، فيأتي هؤلاء بوجه يوافقهم ويمدحهم، ثم يأتي أولئك بوجه آخر يوافقهم ويمدحهم، وربما سخر لكل فريق من خصمه، وصنع لكل مجلس شخصية تناسبه. ومنه أن يسعى إلى استرضاء الجميع بالباطل، أو نقل الكلام والأسرار، أو إشعال الخصومات والفتن بينهم. وإنما كان هذا الخلق من شر الأخلاق؛ لأنه قائم على الكذب والخداع والتملق والتلون، فليس له وجه ثابت ولا كلمة مستقيمة. والمؤمن أرفع من أن يجعل لكل مجلس وجهًا ولكل خصومة لسانًا؛ يقول الحق حيث كان، ويعدل مع من أحب ومن أبغض، ولا يجعل رضى الناس ثمنًا لصدقِه. قال النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ». رواه أبو داود، وحسنه أهل العلم. وتأمل مطلع الحديث: لم يجعل النبي ﷺ مجرد دعوى الإيمان باللسان كافية، بل حذّر من أن يكون ظاهر الإنسان شيئًا وباطنه شيء آخر، ثم قرن ذلك بالنهي عن الغيبة وتتبع العورات. فليس من الإيمان أن يتزيّن المرء بلسانه، ثم يجعل المجالس مرتعًا للغيبة والوقيعة وتتبع العيوب. فاللسان ترجمان القلب، ومن استقام باطنه استقامت جوارحه، ومن أطلق لسانه في أعراض المسلمين عرّض نفسه لوعيد شديد. «فَإِنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ». فليحذر من جعل أعراض المسلمين ومواطن ضعفهم مادة للحديث والتشهير؛ فإن من جعل همه تتبع عورات الناس، توعده النبي ﷺ بأن يتبع الله عورته ويفضحه في بيته. وليس الفضيحة أمرًا يملكه الناس وحدهم؛ فمن ستره الله فليحمد الله، ومن أصر على هتك ستر عباده فليخش أن يهتك الله ستره. ١ـ قال النبي ﷺ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَءًا مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ». حديث حسن بمجموع طرقه. ٢ـ قال ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». حديث حسن؛ رواه الترمذي وأحمد. ٣- قال ﷺ: «مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ». حديث صحيح، رواه أحمد والطبراني. إذا انتهكت حرمة مسلم أمامك، فلا تكن لسانًا للفتنة، ولا أذنًا للغيبة، ولا متفرجًا على البهتان؛ كن ممن يرد الحق إلى نصابه، ويدفع الظلم بقدر استطاعته. فمن ذب عن عرض أخيه ذب الله عنه النار، ومن خذله وهو قادر على نصرته فقد عرض نفسه لخذلان الله في موطن أحوج ما يكون فيه إلى النصرة. ضوابط مجلس يُذكر فيه المسلم بسوء ١- إذا سمعت غيبة أو بهتانًا فلا تكن مستمعًا صامتًا؛ أنكر المنكر بقدر استطاعتك، ولا تجعل صمتك إقرارًا. ٢- أنكر بوضوح وحزم: «اتقوا الله، هذا غيبة، ولا يحل لكم انتهاك عرض المسلم». ٣- غيّر مسار الحديث فورًا؛ فإن لم يكن في المجلس إلا اللغو والوقيعة، فلا تجعل نفسك جزءًا من ذلك. ٤- لا تنقل ما سمعت؛ فإن نقل الغيبة ليس براءة منها، بل قد يجعلك حلقة في سلسلة الفتنة. ٥- لا تدافع عن أخيك بالباطل؛ ادفع عنه الكذب والبهتان، مع بقاء العدل والإنصاف. ٦- إن أصر أهل المجلس على الغيبة بعد الإنكار، ففارق المجلس؛ فلا تجلس حيث تنتهك أعراض المسلمين وأنت قادر على الانصراف. ٧- لا تجعل الفضول عذرًا للبقاء؛ معرفة ما يقولون ليست مبررًا لسماع المحرم. ٨- لا تدخل مجلسًا لتسترق الكلام ثم تنقله إلى غيره؛ فهذا من أبواب النميمة وإفساد ذات البين. ٩- من عجز عن الإنكار بلسانه، فليكره المنكر بقلبه، وليبتعد عنه؛ ولا يرضَ به ولا يشارك فيه. ١٠- واحذر أن تتحول النصيحة إلى تشهير؛ فالمقصود إزالة المنكر، لا صناعة خصومة جديدة. والقاعدة الجامعة: إما أن تُنكر، أو تغيّر مجرى الحديث، أو تفارق المجلس؛ أما أن تبقى مستمعًا ساكتًا، ثم تتذرع بـ: «أنا لم أتكلم، أنا مجرد مستمع، هذا صديقي وذاك صديقي، وأنا لا أتدخل في الخصومات»؛ فهذه ليست براءة، بل تملص من التبعة.
ونحن نبغض هذا المسلك وأهله، ولا نرحب بمن يتخذه طريقًا؛ لا بغضًا للأشخاص لذواتهم، ولكن بغضًا للخصلة وما فيها من تلون وخذلان وإفساد. وقد قال ﷺ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ». متفق عليه. فإن كان لك صديق هنا وصديق هناك، فبئست الصداقة إن كانت على حساب الحق، وبئس الوفاء إن كان ثمنه السكوت عن البهتان. وهذه خلاصة مجلس عُقد بتاريخ 13 أغسطس 2026م، الموافق 30 صفر 1448هـ؛ توضيحًا للموقف، وضبطًا للمنهج، وقطعًا لطريق التلبيس والوشاية. ومن كان عنده علم أو اعتراض أو حجة، فليأتنا بها مواجهة صريحة؛ فمجالسنا مفتوحة لأهل النظر، وأبوابنا لا تغلق دون صاحب برهان، أما نقل الكلام من وراء الستار، وإثارة الخصومات في المجالس، والجلوس على هامش الميدان لتوزيع الأحكام، فليس من شيم أهل العلم ولا من أخلاق أهل المروءة. اللهم اهد عبادك للحق، وأصلح القلوب، وطهر الألسنة من الغيبة والبهتان، وارزقنا الصدق والعدل والثبات، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
