
مقال 3 دقائق للقراءة
صيحة في واد
في بلادي.. قبل ما يزيد عن خمسة عشر عام ،وأنا طفلٌ صغير لايعرف من هذه الدنيا إلا ما تحويه مرآته البريئة ،كنت أراقب الأحداث بعفوية وانذهال منذ البداية..
حين تفتّحت حويصلات الفتن ، وبدأت خفافيش الخراب تجد متنفساً تنفث فيه سمومها في سماء اليمن،
بدأت عندما تراكض القوم في ذلك اليوم مثل الفراش نحو المحرقة . تسلحوا بالأقلام قبل أن نصل لمرحلة البنادق ، وسلّوا ألسنتهم قبل سيوفهم.. كنت أراهم يؤججون نيراناً طائفية ومذهبية وحزبية وسياسية وما إلى ذلك... .
على العموم..
بدأ النسيج يتمزق بين زيدي وشافعي ، وبين شيعي وسني.. وتداعى أصحاب المآرب من كل حدب وصوب ليصبوا زيتهم على نارنا - كلٌ لحاجةٍ في نفسه قضاها - حتى غدت حرباً ضروساً تأكل الأخضر واليابس.
وفي خضمّ ذلك الضجيج، عندما كانت الأصوات تتعالى، والرايات تتكاثر، والقلوب تُساق إلى الخصومة سوق النعاج.. لم أجد رجلاً رشيداً يسعى لمصلحة الوطن كما يقول ،
خرج شيخي الحبيب عمر ابن حفيظ هاتفاً بأعلى الصوت : " دعوها فإنها نتنة.. إنها بداية فتنٍ كقطع الليل المظلم.. إنها النار التي حذرنا منها سيد السادات ﷺ " . نعم والله.. لا زلت أتذكرها بكل وضوح بل لا زال صدأها يجلجل في أذني حتى اليوم
طبعاً.. كما سيتوقع أي شخصٍ يعرف موقف أهل اليمن.. تطايرت سهام التجريح والتكفير والتخوين من كل الأطراف، حتى صوروا لنا أن صوت العقل نشاز ، وأن دعوة السلام تجارة بائرة في شريعة تجار الحروب .
لزم الحبيب زاويته المعروفه في دار المصطفى في تريم الغناء.. وعكف على مجالس الذكر والعلم ،يحافظ على ما تبقى من قلوبٍ طاهرة تسعى أن تصل إلى رحاب الحب الذي أوجدنا الله لأجله .
واليوم، وبعد أعوامٍ من الدماء ، ومستقبل جيلٍ كامل يندثر تحت الخراب ، وبعد قتلى بالملايين ،ومقابر ممتدة وأرامل يبكين على أطلال وطن مسلوب.. ومواقف تتقلب بين كل حينٍ وحين ،
تشن حملة إعلامية على الحبيب عمر من جميع الدول العربية.. رأيتُ منشوراً لأخٍ سوري يقول فيه " أن موقف هذا الزنديق الان مجرد حجة سياسية لأن تعز على حافة الإنهيار.. وأنه يساعد أذناب إيران بالحرب النفسية للنيل منها " الله الله الله.. يا لدهائك يا صديقي ! يا لنظرتك القرانية ! يبدو أن هذا العقل العبقري هو ما نحتاجه لتخليص الأمة أجمع .
هههه ( طبعاً صاحب المنشور أحد أصدقائي الشعراء الذين جمع بيننا محراب القريض ، ممن يُحسَنُ الظن به وبِـ رُقِـيَّـه أنه لم يكن يهدف للخوض مع أصحاب الترند فقط )
والله أن هذه العقليات مبكية بالقدر الذي يجعل منها مضحكة .
يا أحبتي : لقد اعتزل شيخي سياستكم الملوثة فلماذا لا تعتزلوه..؟! ترك لكم كراسيكم فما لكم لا تتركونه في محرابه الطاهره
خذوا أحزابكم، و شعاراتكم الزائفة ، وحروبكم العبثية ومكاسبكم الدنيئة ، وارفعوا ألسنتكم الحداد عن رجلٍ لم يرث من جده المصطفى إلا الرحمة.
دعوه لحلقات علمه ومجالس ذكره وتزكيته، فهو لم يزاحمكم على دنيا، ولم ينازعكم سُلطان ، فلماذا تريدون أن تجرّوه إلى مستنقعاتكم !
يا أمةً عشقت جراحها، ويا وطناً يغتال حكماءه.. إلى متى تصفقون لمن يبيعكم الوهم في أسواق الموت، وترجمون من يفرش لكم سجاد النجاة؟
سلامٌ على قلبك يا شيخاه ، يوم وقفت والكل يهرول نحو الهاوية، ويوم صبرت على أذى ذوي القربى، ويوم بقيت غيمةً تستمطر الرحمة في سماءٍ لا تمطر إلا ناراً وأبابيل .
حسبك، وحسبنا الله، في فتنٍ لم تترك لنا من الأوطان إلا أطلالا ، ومن القلوب إلا رمادا .
محمد عبد الحميد السميعي ✒️ 2026/10/22 @المتابعون #مجتمع
