
مقال 3 دقائق للقراءة
مجتمع.. ماذا نعطي للمساحة التي منحت أصواتنا مكانا؟
ثمة سؤال يستحق أن نتوقف عنده قليلا، بعيدا عن المجاملات والعتاب والحسابات الشخصية:
إذا كانت «مجتمع» قد جمعت أقلاما فرقتها المسافات، ومنحت كتابا وشعراء ومثقفين مساحة لنشر أفكارهم، وأسهمت في إيصال كتاباتهم إلى قراء جدد، ووفرت خدمات وامتيازات لعدد من أعضائها، فماذا قدمنا نحن لهذا الفضاء الذي اجتمعنا فيه؟
ليس السؤال دعوة إلى الامتنان الأعمى، ولا مطالبة بالصمت عن مواطن الخلل، فالنقد حق، والتطوير ضرورة، والاختلاف لا ينتقص من قيمة الانتماء. لكنه سؤال عن طبيعة العلاقة التي نريد بناءها بين المنصة وأعضائها.
هل نريدها مساحة نأتي إليها لننشر أعمالنا، وننتظر التفاعل معها، ثم نمضي؟ أم نريدها مشروعا نساهم في نموه، ونمنحه من أفكارنا وجهودنا ما يجعل تجربتنا فيه أكثر قيمة؟
إن المنصة لا تصنع أثرها بأدواتها وحدها، كما أن الكاتب لا يستطيع دائما إيصال صوته بمفرده إلى الجمهور الذي يستحقه. وحين يلتقي الطرفان، تنشأ فرصة حقيقية للتكامل: توفر المنصة المساحة والوسائل، ويمنحها أعضاؤها المحتوى والمعرفة والتفاعل والحياة.
وما الذي يمكن أن نقدمه عمليا؟
أن نكتب ما يستحق القراءة، وأن نقرأ للآخرين كما نحب أن يقرأوا لنا، وأن نناقش الأفكار بدلا من الاكتفاء بالمجاملات، وأن نساعد الأقلام الجديدة على اكتشاف قدراتها، وأن نشارك الأعمال الجيدة خارج حدود المنصة، وأن نقترح مبادرات تحول اجتماعنا من حضور رقمي متفرق إلى إنتاج ثقافي مشترك.
فقد يكون مقال موثق نكتبه إضافة إلى رصيد المعرفة، وقد يكون تعليق واعٍ بداية نقاش مثمر، وقد يكون تعريف قارئ جديد بالمنصة خطوة نحو توسيع أثرها. وليس كل عطاء مشروطا بمنصب أو لقب أو ختم تميز؛ فكثير من الإسهامات الحقيقية تحدث بهدوء، دون أن يلتفت إليها أحد.
وفي المقابل، فإن المسؤولية المشتركة لا تعني إعفاء المنصة من مسؤوليتها تجاه أعضائها. فكلما كانت معاييرها واضحة، وفرص المشاركة فيها عادلة، ومسارات التطوير مفتوحة، ازدادت ثقة أعضائها بها واستعدادهم للمساهمة في نجاحها.
ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف حول آليات التقدير أو الظهور إلى خصومة، كما لا ينبغي أن يُفسر كل نقد بأنه جحود لما قدمته المنصة. يمكننا أن نعترف بالجهد المبذول، وأن نطالب في الوقت نفسه بما هو أفضل؛ فالأمران لا يتناقضان.
إن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بما نحصل عليه وحده، بل بما نضيفه أيضا، ولا يُختبر حين تسير الأمور كما نحب، بل حين نختلف ونبحث عن حلول تحفظ قيمة المشروع وكرامة أعضائه معا.
لسنا مطالبين بأن نكون متفقين في كل شيء، ولا بأن نمنح المنصة أكثر مما نستطيع، لكننا قادرون على أن نكون شركاء في تطويرها، كلٌّ بحسب قدرته ومجاله.
فإذا كانت «مجتمع» قد منحت أصواتنا مكانا تلتقي فيه، فهل نستطيع أن نجعل من هذا اللقاء قيمة تتجاوز صفحاتها، وتصل إلى قارئ يبحث عن فكرة، أو شاب يحتاج إلى معرفة، أو إنسان يريد أن يرى في الكلمة العربية قدرة على البناء والتغيير؟
ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا قدمت لنا «مجتمع»؟ ولا: ماذا قدمنا لها؟
بل: ماذا يمكن أن نصنع معا، لو توقفنا عن النظر إلى المنصة باعتبارها مساحة نستخدمها، وبدأنا ننظر إليها باعتبارها مشروعا تتسع قيمته بقدر ما نضيف إليه؟
فالمجتمعات لا تنهض بما تمنحه لأفرادها فقط، بل بما يستطيع أفرادها أن يبنوه حين يدركون أن ما يجمعهم أكبر من منشور، وأبقى من تفاعل، وأعمق من لقب.
#jasmin_eternel 🖤 #مجتمع | #المسؤولية_المشتركة | #الوعي_الثقافي
