
مقال 6 دقائق للقراءة
«فليأكلوا الكعك»… الكذبة التي عاشت أطول من الملكة!
امرأة أُعدمت بالمقصلة، ثم ظل الناس يحاكمونها لأكثر من قرنين بسبب كلمات لا يوجد دليل موثوق على أنها قالتها.
امرأة أُعدمت بالمقصلة، ثم ظل الناس يحاكمونها لأكثر من قرنين بسبب كلمات لا يوجد دليل موثوق على أنها قالتها.
باريس، أكتوبر 1789م.
الخبز شحيح، والأسعار ترهق الفقراء، والنساء يقفن في طوابير طويلة أمام المخابز. وفي الخامس من أكتوبر، تقرر آلاف النساء السير نحو قصر فرساي، حيث يقيم الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت.
تخيّل المشهد: أمهات يبحثن عن الخبز لأطفالهن، وقصر ملكي تلمع ثرياته خلف الأسوار.
ومن هذا التناقض خرجت واحدة من أشهر الجمل في التاريخ.
قيل إن أحدهم أخبر الملكة بأن الشعب لا يجد الخبز، فأجابت بلا مبالاة:
«فليأكلوا الكعك!»
عبارة قصيرة، لكنها كافية لتجعل صاحبها رمزًا للترف والقسوة والانفصال عن معاناة الناس.
لكن ماذا لو أخبرتك أن أقدم الأدلة تقودنا إلى حكاية مختلفة تمامًا؟
وأن أشهر جملة نُسبت إلى ماري أنطوانيت كانت متداولة قبل أن تصبح ملكة، وأن ارتباطها باسمها في الوثائق المعروفة جاء بعد إعدامها بعقود؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
الوثيقة التي أفسدت الرواية الجميلة
لنعد إلى ستينيات القرن الثامن عشر، قبل الثورة الفرنسية بنحو ربع قرن.
كان الفيلسوف جان جاك روسو يكتب سيرته الذاتية الشهيرة «الاعترافات».
وفي الكتاب السادس، يروي موقفًا طريفًا عن رغبته في تناول الخبز، ثم يتذكر حكاية أميرة عظيمة قيل لها إن الفلاحين لا يجدون خبزًا، فأجابت بأن عليهم تناول «البريوش»، وهو خبز غني بالزبدة والبيض.
لم يسمِّ روسو تلك الأميرة.
ولم يذكر ماري أنطوانيت إطلاقًا. [1]
والمفاجأة أن هذا الجزء من الكتاب كُتب في ستينيات القرن الثامن عشر، عندما كانت ماري أنطوانيت طفلة تعيش في النمسا، ولم تصل إلى فرنسا إلا سنة 1770م.
أما الكتاب فقد نُشر بعد وفاة روسو، سنة 1782م، أي قبل اندلاع الثورة الفرنسية نفسها!
إذن، فالحكاية كانت موجودة قبل الأحداث التي يُقال إن الملكة نطقت خلالها بتلك العبارة.
لكن لنتوقف هنا.
هذا لا يثبت استحالة أن يكون شخص آخر قد كرر العبارة لاحقًا، لكنه يجعل نسبتها إلى ماري أنطوانيت بلا دليل، خصوصًا أننا لا نملك شهادة معاصرة موثوقة تؤكد أنها قالتها.
والأغرب لم يأتِ بعد.
العبارة التي ظهرت بعد موت صاحبتها المزعومة
في السادس عشر من أكتوبر سنة 1793م، أُعدمت ماري أنطوانيت بالمقصلة في باريس.
كانت قد أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات الملكية إثارة للكراهية والجدل.
وقد تعرضت خلال حياتها لحملات تشهير اتهمتها بالفساد والتبذير والتآمر، بل طالت بعض الاتهامات حياتها الخاصة وعلاقتها بأسرتها.
ومع ذلك، لا نجد في المصادر المعاصرة الموثوقة ما يثبت أن عبارة «فليأكلوا الكعك» كانت من الاتهامات الموثقة ضدها.
وفي سنة 1843م، أي بعد إعدامها بخمسين عامًا، كتب الصحفي الفرنسي ألفونس كَر عن شائعة تقول إن الملكة سخرت من الجائعين بهذه العبارة.
ولم يوردها كحقيقة مؤكدة، بل أشار إلى رواية أقدم تنسب كلامًا مشابهًا إلى دوقة من توسكانا، مستنتجًا أن العبارة ربما استُخدمت ضد الملكة بعد تداولها من قبل. [2]
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل.
نحن أمام شخصية تاريخية حقيقية، ومجاعة واضطرابات حقيقية، وصراع سياسي حقيقي؛ لكن الجملة التي أصبحت تختصر ذلك كله لا نملك دليلًا موثوقًا على صدورها عن صاحبتها المفترضة!
وقد تتبعت الباحثتان فيرونيك كامبيون-فنسنت وكريستين شوجايي كاوان تاريخ هذه الحكاية في دراسة منشورة سنة 2002م، ووجدتا أنها تنتمي إلى نمط أقدم من القصص الشعبية التي تُظهر أصحاب السلطة عاجزين عن فهم جوع الفقراء. [3]
بمعنى أن العبارة لم تولد بالضرورة في قصر فرساي، بل وجدت في قصة الملكة تربة مثالية كي تعيش وتنتشر.
لكن هل كانت ماري أنطوانيت بريئة من كل شيء؟
هنا ينبغي أن نحذر من الوقوع في مغالطة معاكسة.
فنفي صحة العبارة لا يعني تبرئة النظام الملكي من أزماته، ولا إنكار مظاهر البذخ والامتيازات التي أحاطت بالبلاط الفرنسي.
لقد عانى الناس فعلًا من نقص الخبز وارتفاع أسعاره.
وفي أكتوبر 1789م، سار المحتجون إلى فرساي للمطالبة بالخبز، وانتهت الأحداث بانتقال الأسرة الملكية إلى باريس. [4]
ولم تكن الثورة قد اندلعت بسبب جملة ساخرة، بل نتيجة أزمات مالية واجتماعية وسياسية تراكمت عبر سنوات.
كما أن صورة الملكة ليست أحادية؛ فقد عاشت حياة ملكية مترفة، وتورطت في صراعات سياسية، لكنها كانت أيضًا هدفًا لشائعات واتهامات لا يمكن التسليم بها جميعًا لمجرد أنها كانت مكروهة.
وقد درست المؤرخة نانسي باركر هذه المفارقة تحديدًا، موضحة كيف استمرت أسطورة العبارة، وكيف ارتبطت بالصورة العامة التي تشكلت عن الملكة. [5]
فلماذا صدّق الناس الحكاية؟
لأنها ببساطة تقول في سبع كلمات ما قد يحتاج المؤرخ إلى مئات الصفحات لشرحه.
امرأة جائعة تبحث عن الخبز.
وملكة تعيش في قصر فخم.
وجملة قاسية تختصر المسافة بين العالمين.
لا تحتاج هذه القصة إلى وثيقة، ولا إلى تفسير اقتصادي، ولا إلى فهم تعقيدات الثورة الفرنسية كي تترك أثرها في النفس.
إنها تمنح الجمهور شخصية واضحة يوجه إليها غضبه.
ومع مرور الزمن، أعادت الروايات والكتابات الشعبية والثقافة الجماهيرية إنتاج العبارة، حتى باتت أشهر من كثير من الوقائع الثابتة المتعلقة بحياة ماري أنطوانيت.
ومن الطريف أن التعبير الفرنسي الأصلي يشير إلى «البريوش»، وليس إلى الكعك بالمعنى المتداول في لغات أخرى.
لكن حتى الترجمة ساعدت في زيادة المفارقة بين الجائعين وطعام الأغنياء!
المفارقة الكبرى… حين تصبح الكذبة أصدق من الوثيقة
أعتقد أن أخطر ما في هذه الحكاية ليس ظلم ملكة ماتت قبل أكثر من قرنين.
بل الطريقة التي نصنع بها أحكامنا على الماضي.
فقد تكون شخصية ما مسؤولة عن أخطاء حقيقية، ومع ذلك ننسب إليها أخطاء لم ترتكبها، لأن الصورة التي رسمناها عنها تجعل كل اتهام يبدو قابلًا للتصديق.
وهنا يتحول التاريخ من محاولة لفهم ما حدث إلى محاكمة نبحث فيها عمّا يؤكد أحكامنا السابقة.
من حقنا أن ننتقد ماري أنطوانيت ونظامها السياسي، وأن ندرس دورها في أحداث عصرها. لكن ليس من حقنا أن نستبدل الأدلة بعبارة جذابة لمجرد أنها تخدم روايتنا.
ولعل هذا هو الدرس الأكثر إزعاجًا:
قد تكون القصة التي نحب ترديدها صحيحة في دلالتها على ظلم اجتماعي، لكنها غير صحيحة بوصفها واقعة تاريخية.
وهذا لا يجعل الظلم أقل حقيقة، بل يجعل واجبنا في البحث عن الحقيقة أكبر.
ماتت ماري أنطوانيت سنة 1793م، لكن العبارة المنسوبة إليها بقيت حية، تتنقل بين الكتب والألسنة، حتى نسي كثيرون أن يسألوا السؤال الأبسط:
من سمعها تقول ذلك؟
والآن، أيهما أخطر: أن يزوّر التاريخ صورة شخصية بريئة، أم أن نختلق تهمة لشخصية ارتكبت أخطاء حقيقية لأننا نرى أنها تستحق الإدانة؟
المصادر والمراجع
جان جاك روسو، «الاعترافات» (Les Confessions)، الكتاب السادس، كُتب في ستينيات القرن الثامن عشر، ونُشرت الأجزاء الستة الأولى سنة 1782م. https://fr.wikisource.org/wiki/Les_Confessions_(Rousseau)/Livre_VI
ألفونس كَر (Alphonse Karr)، «Les Guêpes»، 1843م، النص المتعلق بالمقولة كما وثقته الدراسة التاريخية الواردة في المرجع الثالث. فهرس الدورية بالمكتبة الوطنية الفرنسية: https://ccfr.bnf.fr/portailccfr/ark:/16871/0014095254
Véronique Campion-Vincent & Christine Shojaei Kawan, «Marie-Antoinette et son célèbre dire»، مجلة Annales historiques de la Révolution française، العدد 327، سنة 2002، ص 29–56. https://doi.org/10.3406/ahrf.2002.2564
قصر فرساي، «Departure of the King, 1789»، عرض تاريخي لأحداث الخامس والسادس من أكتوبر 1789م. https://en.chateauversailles.fr/discover/history/key-dates/departure-king-1789
Nancy N. Barker, «Let Them Eat Cake: The Mythical Marie Antoinette and the French Revolution»، مجلة The Historian، المجلد 55، العدد 4، سنة 1993، ص 709–724. https://doi.org/10.1111/j.1540-6563.1993.tb00920.x
