
مقال دقيقتان للقراءة
المرأة المتنكرة في ثياب رجل.. من الحياة إلى الرواية
سنذهب إلى مكان بعيد من هنا، وعليك يا هذلا أن تستعدي من الآن لتكوني رجلا. هل سمعت؟ لتكوني رجلا مثل بقية الرجال _________ رواية قنص
هناك أنشطة إبداعية تكشف عن الظرفين الفني والاجتماعي المنتجين لها. نفهم مثلا، وفق الظرف الفني والاجتماعي، قيام الرجال بلعب دور النساء في مسرح الكابوكي الياباني، أو حتى قيام النساء بلعب دور الرجال في مسرح أوروبا في القرن التاسع عشر، رضوخا لشروط التقاليد المسرحية والاجتماعية السائدة في ذلك الوقت. وكذلك في المجتمع الحجازي بمكة، حيث تقوم النسوة أيام الحج، عندما يغادر جميع الرجال للعمل مع الحجيج، بلبس ثياب الرجال في طقس يسمى (لعبة القيس).. وهو تنكر جمعي يختلف عن التنكر الفردي. ولأن الاجتماعي يتماهى بصورة أو بأخرى مع الإبداعي، ظهرت شخصية المرأة/الرجل في السرد.
ولعل هذا التماهي وصل إلى ذروة سخريته ومفارقته، بحيث تجاوز النص ليصل إلى الكاتب نفسه مع الكاتبة (ماري آن إيفانس) التي تنكرت باسم الكاتب (جورج إليوت) لكي تؤخذ كتابتها على محمل الجدية. لكن عندما نتجاوز هذه المفارقة نجد أن هناك أمثلة لأعمال قامت بتوظيف هذا التنكر لغاية فنية أو موضوعية. نجد مثالا لهذه الشخصية في مسرحية شكسبير (الليلة الثانية عشرة أو سمها كما تشاء)، حيث تتنكر روزالند في ملابس فتى وتذهب للبحث عن والدها المنفي.
كذلك ظهرت هذه الشخصية في قصة قصيرة للكاتب الروائي الأيرلندي جورج مور، والتي تم تحويلها لاحقا إلى فيلم بعنوان (ألبرت نوبس) من إخراج (رودريغو غارسيا)، نجل الروائي الكولومبي (غابرييل غارسيا ماركيز).
هذه الثنائية، أو هذا التنكر، ظهر في السرد العربي بداية مع ألف ليلة وليلة في حكاية زمرد جارية علي شار، التي تنكرت في زي رجل.
وفي الرواية العربية المعاصرة نجد أمثلة عديدة لهذا التوظيف. نجد مثلا زينة في رواية ليلة الغلطة للطاهر بن جلون: «ربما كانت هذه البنت ولدا، إنها تلعب وتعيش مثل سوقي صغير». وتستمر الرواية في تعديل هذه الغلطة القدرية التي دفعت زينة إلى الظهور في المكان الذي كان ينتظر فيه ظهور ولد.
وكذلك شخصية خاتم في رواية خاتم لرجاء عالم، التي كانت أمها تقول: «في كل بطن كانت تحمل بذكر وأنثى، حتى تمام الخمسة توائم، وكلما بلغ لها توأم اجتاحت مكة حرب أو وباء، وأخذت الذكر وتركت الأنثى، حتى صار الذكور كية عزرائيل في قلب الشيخ نصيب». لكن ليس هذه المرة، إذ يجب أن يتم تغيير هذا الواقع ولو بالتنكر.
ونجد كذلك شخصية هذلا في رواية قنص للروائي عواض العصيمي: «سنذهب إلى مكان بعيد من هنا، وعليك يا هذلا أن تستعدي من الآن لتكوني رجلا. هل سمعت؟ لتكوني رجلا مثل بقية الرجال»، قال الأب بملامح جادة لا دعابة فيها ولا مزاح. سكتت هذلا سكوت من لم يفهم شيئا. وليوضح لها ما يقصد قال لها: «هل تذكرين عندما كنت تلبسين ثياب صبي وأنت صغيرة؟» أجابت هذلا بأنها تذكر تلك اللعبة، وأن اسمها في تلك اللعبة كان «ناشي» وليس هذلا. حينها قال الأب: «أريدك أن تعودي إلى ناشي مرة أخرى». وتنكر آخر، لكن هذه المرة من أجل الفرار.
