الصمت والذاكرة - 5 -
لم أشعر يوما وأنا في شفشاون أنني ابتعدت كثيرا عن قريتي، عن تلك الأجواء المغرية، وعن تلك القصص الصغيرة الباذخة هنا وهناك إذ كان ممكنا الرجوع إليها بسهولة، لكن عندما غادرتها الى مدينة تطوان، شعرت بأن المسافة اتسعت والأشواق تضاعفت، وصارت الوشائج أقوى والذكريات أندى؛ وأيقنت بأن لي في التعلق بها مآرب أخرى استعين بها لمواجهة تقلبات الحياة، وأضحت يومياتي بها كتابا ملهما يدفعني للمضي قدما ويسرِّي عني دونما إلحاح. وكم كانت وما زالت سخية حد الجود، تضعني أمام بدائل كلما استدعيتها في موقف ما.
ولكل صاحب نظر أن يجول بنظره في صور الحياة التي كنت أقف شاخصا أمام إقبالها وإدبارها وهدوئها وتقلبها في كل جانب ومطرح من البلدة، ويرى هذا الذي أرمي إليه؛ لينظر كما كنت أنظر إلى الارض إذا أرتوت أو عطشت، وإلى الدواب إذا سمنت أو هزلت، وإلى الطيور إذا عادت أو رحلت، وإلى الأعشاش إذا ازدانت بفراخها أو هُجرت، وإلى الأنهار إذا فاضت أو جفت، وإلى الجداول إذا ترقرقت أو يبست وإلى الحوامل إذا وضعت وأرضعت، وإلى الأشجار إذا أورقت وأثمرت، وإلى الحقول إذا انبتت واخضرت، وكذا السنابل إذا مالت و أينعت، وإلى السماء إذا جادت أو أمسكت والعيون إذا نبعت أو نضبت وإلى الرياح إذا هبت أو سكنت، وإلى الأيام إذا عسعس ليلها وتنفس صباحها، وإلى الفصول في تعاقبها وتكاملها. صور ومعاني تشربتها وانداحت شعابا متدفقة عبر أوردتى فصارت دما يفور بداخلي.
لينظر أيضا إلى حياتي هناك في قلب عيش الناس وأنا أراقب عن كثب ما يجري، وليبصرني وأنا أكتنز وأدخر ما وسعني ليوم لم أكن أنتظره، يوم سأرحل فيه إلى حيث يلزمني مخزونا إحتياطيا كبيرا من ذلك الإيدام الرمزي؛ كنت هناك أنظر بعين التعظيم إلى الناس وأجد شعورا عجيبا في تصرفاتهم وهم يستجيبون تلقائيا لكل من طلب عونهم في كل شيئ، في الحرث والسقي والحصاد والبناء والرعي وإعداد الولائم في الأفراح، أو يهرعون من غير طلب الى المواساة في الأتراح والتكافل عند الرزية، وحضور المناسبات الدينية في الجوامع وأداء حقوقها مع البذل ما وسعهم فيها من فاخر الطعام وهدايا الأئمة بمقاييسهم. وبالنظر إلى وضعهم الاقتصادي الهش فقد كان ذلك سخاء مبالغا فيه، وكان لهم قول مأثور يترجمونه على أرض الواقع في صيغ شتى وهو قولهم:" لا يستطيع الفرد إغناء الجماعة، لكن الجماعة تستطيع إغناء الفرد". وحدث ولا حرج عن روح الدعابة والنكتة والمفاخرة بالقوة في مواطن الخطر، وتوقير وإجلال من حقهم ذلك من الكبير والصغير.
وفي المناسباب الدينية والاجتماعية يقضي الجيران أياما يساعد بعضهم بعضا في الاعداد لها بدء من إصلاح البيوت وتزيينها وانتهاء بإعداد المأكولات حسب نوع المناسبة. وكانت مأكولاتهم كلها أصيلة؛ ومن الأكلات التي أتذكرها، ولا أخفي شوقي إلى تذوقها باستمرار أكلة مناسباتية كانت جارات الحي تشتركن في إعدادها، وهي نوع من الفطائر يسمينها "بوشِيّار"؛ كانت النساء تصنعنه من العجين المدلك بعناية فيصاغ على شكل كرات مماثلة ثم تحول الكرات إلى لفائف دائرية رقيقة بواسطة الدلاك حتى يصير قطرها إلى نصف متر تقريبا؛ وكانت اللفائف تصنع تباعا إذ كلما صنعت إحدى النساء لفيفتها وضعتها مباشرة فوق مقلاة طينية كبيرة ذات قبة لتسحبها بعد دقائق قليلة وتترك المجال لجارتها. وكان بوشيار أفضل ما يكون عند تناوله مع مرق الدجاج الأصيل أو مع بيض السمان المغمس في خليط ساخن من الزبدة والحليب.
كانت البلدة حينها حرة، عزيزة ، كريمة يكفيها نعمةً إن طعمت من جوع وأمنت من خوف؛ ولكن النعم تُعرف أحيانا بزوالها، ولهذا السبب يدعو الناس ربهم أن يُعرفهم نعمه بدوامها لا بزوالها؛ فمذ ألفت تربة القرية تلك العشبة العجيبة تغير حالها وأوشك الجوع أن يطل بوجهه البئيس مع وفرة الطعام وأوشك الخوف أن يعربد في كل مكان مع طول يد الأمن، فأضحى الناس يدرؤون عنهم التهديد بشرع اليد تارة وبالمال أخرى أو بتشييد أسوار عالية وأبواب من حديد. حلت العشبة كضيف غريب وما لبثت أن استوطنت وسيطرت ودانت القرية بلسطانها واتخذ الناس لها أسماء شتى فهي" الكيف" في القرية، والفْلاحة بين الفلاحين والعشبة مع الغرباء، والنعناع في الاماكن التي تفرض الاحتياط في الكلام. أما مشتقاتها فحدث عن الأسماء الغريبة ولا حرج: السوبر، العلكة، السبوكنيك، الحرتوكة ...
وفي غفلة من جيلين وُضعت البلدة تحت حكم "البارون" وتصرف حرسه ورجاله وشبكاته. والبارون الذي اقصده ليس شخصا واحدا وإنما هو صورة لكل هؤلاء الذين خرجوا في معاملاتهم على مألوف القرية وأصالتها وأدخلوها في فوضى من القيم السائلة وضاعت معها تلك القيم النبيلة التي عمرت لسننين قبل دخولها عهد زراعة الكيف؛ فهذه الزراعة حكمت بالتبعية للبارون اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا.
وقد علق بمخيلتي قول لأحد الخطباء، وأنا بعد يافعا، كنت استمع إليه عبر "المسجلة التي تشغل الكاسيط وتعمل بالبطاريات"؛ كان يقول بأن صفاء التنشئة وصلاح البيئة والأحوال عامل جوهري في الانحياز إلى الحق ورفض الظلم والالتزام بالمبادئ التي تعلي من قيمة الانسان؛ فالذي ينشأ أو يحيا لمدة طويلة في بيئة ملوثة ماديا ومعنويا يجد صعوبة في مفاصلة بيئته المنحرفة أو التفكير في إصلاحها؛ وإذا لم يبذل جهدا كبيرا في النأي بنفسه عن ملوثاتها فإنه يتحول إلى كائن لا يهمه مبدأ ولا قضية إنسانية ولا عدل ولا أي شيئ مما تدعو إليه الفطرة السليمة.
@المتابعون

1 مشاركة43 مشاهدة