
مقال 6 دقائق للقراءة
شتاء قادم... وخيام لا تحمي ساكنيها فمن لأطفال غزة وشيوخها؟ بقلمي. عون البحيصي
يقترب الشتاء، وتحمل الرياح معها بشائر المطر إلى أماكن كثيرة من العالم، فيستعد الناس لاستقبال موسم جديد، ويتهيؤون بملابس دافئة وبيوت آمنة وأغطية تقيهم برد الليالي الطويلة. لكن في غزة، يأتي الشتاء محملا بمخاوف لا تشبه مخاوف الآخرين، ويطرق أبوابا لم تعد قائمة، وخياما مهترئة لا تقوى على صد الرياح، ولا تستطيع حماية ساكنيها من المطر والبرد. هنا، في غزة، لا ينتظر الأطفال الشتاء بفرح، ولا يراقبون الغيوم بعيون الحالمين، بل ينظرون إلى السماء بقلق، ويسألون ببراءة موجعة: هل ستمطر الليلة؟ وأين سننام إذا غمرت المياه خيمتنا؟ وكيف سنحمي أجسادنا الصغيرة من برد لا يرحم؟ أسئلة أكبر من أعمارهم، وأقسى من أن يحملها قلب طفل.
خيام ترتجف... وقلوب ترتجف معها
في غزة، لا تعني زخات المطر مجرد طقس عابر، ولا تعني الرياح القوية ليلة مزعجة فحسب، بل قد تتحول إلى معاناة جديدة لعائلات أنهكتها الحرب، وفقدت منازلها ومصادر رزقها، ولم يبق لها سوى خيمة تحاول أن تجمع تحت قماشها ما تبقى من أفراد الأسرة وذكريات البيت وشيئا من الأمل. خيمة تتسرب إليها المياه من كل جانب، وأرض تبتلعها الأوحال، وأغطية قليلة لا تكفي لتدفئة الأجساد، وأم تحاول أن تحمي أطفالها بما تملك من ملابس بالية، وأب يقف عاجزا أمام مشهد لا يحتمله قلبه، بعدما عجزت يداه عن توفير أبسط مقومات الحياة. أي قسوة هذه التي تجعل الإنسان يخشى المطر، بعدما كان ينتظره ليروي أرضه؟ وأي وجع هذا الذي يحول الليل من مساحة للراحة إلى معركة جديدة من أجل البقاء؟ إن الخيمة التي لا تصد المطر ليست مأوى آمنا، والغطاء الذي لا يمنح الدفء لا يكفي لمواجهة شتاء طويل، والوعود التي لا تتحول إلى فعل لا تحمي طفلا من الارتجاف، ولا تنقذ شيخا أنهكه المرض والبرد.
أطفال غزة... طفولة مؤجلة وأحلام تحت المطر
أطفال غزة لا يحتاجون إلى كلمات الشفقة بقدر ما يحتاجون إلى حقهم الطبيعي في الحياة. يحتاجون إلى سرير دافئ، وملابس جافة، ووجبة تسد الجوع، ومدرسة آمنة، وليل ينامون فيه دون خوف من المطر أو القصف أو فقدان من يحبون. لقد حمل هؤلاء الصغار من الألم ما يفوق أعمارهم، وشاهدوا من المآسي ما لا ينبغي لطفل أن يراه. فمنهم من فقد بيته، ومنهم من فقد أحد والديه، ومنهم من فقد الشعور بالأمان، ومنهم من بات يخشى صوت الرياح لأنها تذكره بأصوات أخرى لم تغادر ذاكرته. ومع اقتراب الشتاء، تصبح مسؤوليتنا تجاههم أكثر إلحاحا. فكل طفل يرتجف داخل خيمة هو نداء إنساني، وكل أم تعجز عن تدفئة صغيرها تضع العالم أمام اختبار حقيقي: هل ما زال للإنسانية مكان في هذا العالم؟ لا نريد لأطفال غزة أن يتعلموا الصبر على البرد قبل أن يتعلموا القراءة، ولا أن يعرفوا معنى الحرمان قبل أن يعرفوا معنى اللعب، ولا أن تصبح الخيمة في ذاكرتهم بديلا عن البيت الذي يستحقونه.
شيوخ غزة... حين يصبح البرد وجعا مضاعفا
أما الشيوخ وكبار السن، فحكايتهم أكثر قسوة. أجساد أرهقها العمر، وأمراض تحتاج إلى رعاية وأدوية، ومفاصل يؤلمها البرد، وصدور تحتاج إلى الدفء، وقلوب مثقلة بفقد الأحبة والبيوت والسنوات التي عاشوها بين جدران لم يتخيلوا يوما أن يفقدوها. كيف يواجه شيخ مسن ليلة باردة في خيمة لا تقيه الرياح؟ وكيف تستطيع امرأة مسنة أن تحتمي من المطر وهي لا تملك أرضا جافة تجلس عليها، ولا فراشا يخفف عنها ألم الجسد؟ ومن يتفقد المرضى والعاجزين الذين لا يستطيعون مغادرة أماكن نزوحهم بحثا عن مأوى أفضل؟ إن رعاية كبار السن ليست منّة يقدمها أحد، بل واجب أخلاقي وإنساني. ومن حقهم أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة، لا أن يقضوا لياليهم في انتظار انقضاء البرد، أو يخشوا أن تتحول خيامهم إلى برك من المياه والأوحال.
أين العالم من شتاء غزة؟
لسنا أمام مشهد عابر يمكن تجاوزه بصورة أو خبر، بل أمام مأساة إنسانية تستوجب تحركا حقيقيا قبل أن تشتد موجات البرد والأمطار. أين المؤسسات الدولية؟ وأين الهيئات الإغاثية؟ وأين أصحاب القرار؟ وأين الضمير الإنساني الذي يتحدث عن حقوق الطفل وكرامة الإنسان؟ إن غزة لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات التي تذوب أمام أول اختبار، ولا إلى حملات موسمية تنتهي بانتهاء الاهتمام الإعلامي. إنها تحتاج إلى إغاثة عاجلة ومستدامة، وإلى إدخال مستلزمات الإيواء والمواد اللازمة لإصلاح الخيام وتجهيز الملاجئ، وتوفير الأغطية والملابس الشتوية والفرش العازلة للمياه، ووسائل التدفئة الآمنة، والأدوية والغذاء ومياه الشرب النظيفة. وتحتاج كذلك إلى حلول إيواء أكثر أمانا، وإلى تسهيل وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر ضعفا، ولا سيما الأطفال والمرضى وذوي الإعاقة وكبار السن، مع ضمان وصولها إلى مستحقيها دون تأخير أو تمييز. فالمساعدات ليست ترفا، والإيواء ليس مطلبا ثانويا، والدفء ليس امتيازا، إنها احتياجات أساسية ترتبط بحق الإنسان في الحياة والكرامة.
ماذا نستطيع أن نفعل؟
قد يشعر بعضنا أن حجم المأساة أكبر من قدرته على التأثير، لكن العمل الإنساني لا يبدأ دائما بخطوات ضخمة، بل قد يبدأ بمبادرة صادقة، أو مساهمة موثوقة، أو حملة منظمة، أو إيصال صوت العائلات التي لا تجد من يسمعها. يمكننا دعم المؤسسات الإغاثية الموثوقة، والمساهمة في توفير الأغطية والملابس الشتوية والخيام الملائمة، ونشر النداءات الإنسانية المسؤولة، ومساندة المبادرات المحلية التي تعمل على حماية الأسر النازحة. كما يمكن للمؤسسات الثقافية والإعلامية أن تجعل من الكلمة وسيلة للضغط الإنساني، ومن المنابر مساحة لتذكير العالم بأن المأساة لا تنتهي لمجرد انحسار الأخبار عنها. إن أقل ما يمكن أن نقدمه هو ألا نعتاد المشهد، وألا نسمح لتكرار الألم أن يحول المأساة إلى خبر عادي في يوم مزدحم بالأخبار.
غزة لا تطلب المستحيل
غزة لا تطلب قصورا لأطفالها، ولا حياة مترفة لشيوخها، ولا امتيازات لا يملكها غيرهم. إنها تطلب الحد الأدنى من الحياة الكريمة: سقفا يحمي من المطر، وغطاء يرد البرد، ودواء يخفف الألم، وطعاما يسد الجوع، وأمنا يعيد إلى الأطفال حقهم في النوم دون خوف. تطلب أن يتذكر العالم أن خلف كل خيمة أسرة لها أسماء وحكايات وأحلام، وأن خلف كل وجه متعب إنسانا يستحق الحياة، وأن خلف كل طفل يرتجف مستقبلا لا يجوز أن نتركه وحيدا في مواجهة الشتاء. ولعل السؤال الأشد إيلاما ليس: متى يأتي الشتاء؟ بل: هل سيصل الدفء إلى غزة قبل أن تصل العواصف؟
كلمة أخيرة
إلى كل طفل في غزة ينتظر ليلة دافئة، وإلى كل أم تحاول أن تحمي أبناءها من المطر بيديها، وإلى كل شيخ أنهكه العمر وأتعبه النزوح، نقول: لستم أرقاما في نشرات الأخبار، ولستم صورا عابرة على شاشات الهواتف، بل أنتم أصحاب حق في الحياة والأمان والكرامة. وإلى العالم نقول: لا تتركوا غزة تواجه الشتاء بخيام لا تحميها، ولا تجعلوا المطر امتحانا جديدا لصبر شعب أنهكته الحرب. تحركوا قبل أن تشتد العواصف، وسارعوا إلى توفير المأوى والدفء والدواء، فبعض التأخير لا تقاس نتائجه بالأيام، بل بما قد يتركه من ألم وخسارة في حياة أناس لا يملكون ما يحمون به أنفسهم. شتاء قادم... وغزة تستغيث. فمن لأطفالها إذا ارتجفت أجسادهم من البرد؟ ومن لشيوخها إذا ضاقت بهم الخيام؟ ومن للعائلات التي لم يعد لها من الدنيا سوى قطعة قماش تحاول أن تصنع منها بيتا؟ إن الإنسانية لا تُقاس بما نقوله عن الضعفاء، بل بما نفعله من أجلهم حين يشتد الخطر. فكونوا لغزة دفئا قبل الشتاء، وسندا قبل العاصفة، وأملا يتحول إلى فعل.
