الإنسان الداجن
حياة الدواجن.. حين يتحول العمر إلى مجرد دورة حياة!
سُمّيت الدواجن بهذا الاسم لأنها تعيش في نطاق محدود؛ تأكل طعامًا محددًا في أوقات معلومة، وتتحرك داخل مساحة مرسومة سلفًا، حتى تنتهي دورة حياتها دون تغيير يُذكر، أو مغامرة تُحكى، أو تميّز يجعلها مختلفة عن غيرها.
إنها حياة تسير وفق برنامج ثابت، لا خروج عليه ولا محاولة لتجاوزه.
لكن المدهش أن كثيرًا من البشر يعيشون بالطريقة نفسها!
يولد الإنسان، ثم يكبر، ويتعلم، ويتخرج، ويلتحق بالعمل، ثم يتزوج وينجب، ويربي أبناءه ويهيئهم للزواج، قبل أن يرى أحفاده ويجلس في نهاية المطاف متأملًا سنوات عمره، قائلًا بكل رضا: «لقد أكملت رسالتي في الحياة!»
ولا شك أن بناء أسرة صالحة، وتربية الأبناء، وتحمل المسؤولية، كلها أمور عظيمة لا يجوز التقليل من شأنها. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: هل تمثل هذه الخطوات الرسالة كاملة، أم أنها ليست سوى جزء منها؟
لقد فعل ذلك ملايين البشر قبله، وسيفعله ملايين من بعده. فماذا أضاف هو إلى الحياة، إذا اقتصر دوره على تكرار ما فعله الآخرون؟
إن الرسالة الإنسانية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود أن نعيش، بل تمتد إلى أن نُحدث فرقًا.
أن تترك أثرًا في أسرتك يتجاوز مجرد الإنفاق والتربية، وفي عملك يتجاوز أداء الواجب، وفي مجتمعك يتجاوز مجرد الوجود بين الناس.
أن تصنع فكرة، أو تؤسس عملًا، أو تنصر حقًا، أو تغيّر واقعًا، أو تفتح بابًا لم يكن مفتوحًا، أو تترك علمًا وخبرة ينتفع بهما الآخرون من بعدك.
أن تكون إضافة حقيقية إلى محيطك، لا مجرد رقم جديد في إحصاء السكان، ولا نسخة أخرى من ملايين النسخ المتشابهة.
فالعالم أوسع من حدود الوظيفة، والحياة أكبر من دائرة الأسرة، والإنسان قادر على أن يمد أثره إلى آفاق ربما لم يتخيلها يومًا.
المشكلة ليست أن تعيش حياة عادية، بل أن تمضي فيها كلها دون أن تسأل نفسك: ما الشيء الذي أصبح أفضل في هذا العالم لأنني كنت هنا؟
لسنا مطالبين جميعًا بأن نصبح مشاهير أو قادة أو أصحاب ثروات؛ فالبصمة الحقيقية قد تتمثل في إنسان أنقذته من اليأس، أو حق أعدته إلى صاحبه، أو عقل أنرته بالعلم، أو مؤسسة تركتها أكثر نجاحًا، أو أبناء علمتهم كيف يصنعون أثرهم الخاص.
فليست العبرة بطول العمر، ولا بعدد المحطات الاجتماعية المتوقعة التي أنجزناها، وإنما بما أضفناه إلى الحياة خلال رحلتنا فيها.
عِشْ حياتك كما تريد، وابنِ أسرتك كما ينبغي، وأدِّ واجبك كما يجب؛ لكن لا تجعل كل ذلك نهاية الحكاية.
فربما كان أجمل ما في رسالتك لم يبدأ بعد!
والسؤال الذي أتركه لك: حين يأتي يوم ترحل فيه عن الدنيا، هل سيقول الناس إنك عشت حياتك كاملة، أم إن وجودك جعل حياة الآخرين أفضل؟
@إشارة

4