التجزؤ والفرقة: هل تغيّرت صور المشكلة أم تجاوزنا أسبابها؟
التجزؤ والفرقة: هل تغيّرت صور المشكلة أم تجاوزنا أسبابها؟
ما أعذب الحياة حين تصفو النفوس، وما أرق القلب حين يأوي إلى إخوانه فلا يجد في صدورهم غلًّا عليه، ولا يجد في صدره حسدًا لهم أو شماتةً بمصابهم. إن الإنسان، مهما بلغت قوته، يحتاج إلى من يسانده، ويحتاج المجتمع، مهما امتلك من أسباب القوة، إلى روابط تجمع أفراده، وثقة تحفظ تعاونهم، وعدل يمنع خلافاتهم من التحول إلى عداوات.
ولقد كانت من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على الصحابة، بعد نعمة الإيمان، أن جمع قلوبًا فرّقتها الحروب، وأقام أخوةً أطفأت نار عداوات قديمة، ونقل الناس من العصبية التي تقدم القبيلة في الحق والباطل إلى الاجتماع على الإيمان والعدل.
يقول الله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103].
تأملوا، عباد الله، كيف ذكّرهم الله بنعمة التأليف؛ لأن اجتماع القلوب ليس أمرًا هيّنًا، وحفظه مسؤولية، وإهداره خسارة تتجاوز المشاعر إلى الأعمال والمصالح ومصائر المجتمعات.
ومن هنا، فإن حديثنا عن التجزؤ والفرقة ليس حديثًا عن خلاف عابر بين اثنين، وإنما عن ظاهرة قد تبدأ في النفوس، ثم تنتقل إلى الجماعات والمؤسسات، وقد تمتد إلى العلاقات بين الدول والشعوب.
ولذلك لا يكفي أن نقول إن الوحدة قوة والفرقة ضعف؛ فهذه نتيجة يعرفها أكثر الناس. وإنما السؤال الذي يستحق البحث: لماذا تتغلب الفرقة أحيانًا على الروابط التي تجمع الناس؟ وكيف يتحول خلاف محدود إلى عداوة ممتدة؟ وهل تجاوزنا أسباب الفرقة، أم أن بعضها لا يزال قائمًا وقد تغيرت صوره وأدواته؟
#الإسلام_نعمة
#أخلاق
9