
مقال دقيقتان للقراءة
نقطة تحول
كل عين تعشق حليوة وانتي حلوة في كل عين يا حبيبتي قلبي عاشق واسمحي لي بكلمتين كلمتين يا مصر يمكن هما اخر كلمتين حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين
في صباح يوم ٥ يونيو ١٩٦٧، كان صوت مذيع قناة صوت العرب الشهير (أحمد سعيد) يدوي في الآفاق بأن قواتنا المصرية قد استطاعت إسقاط العشرات والعشرات من طيران العدو، وسرعان ما اهتز قلب نجم طربًا وفرحًا بتلك البيانات، ولكن طار ذهنه إلى أن المقاتل المصري الفلاح، الذي يجاهد على جبهة القتال، في حاجة إلى الدعم والتشجيع كي لا يخفت حماسه في خضم المعارك، فكتب:
“واه يا عبد الودود يا رابص ع الحدود ومحافظ ع اللظام كيفك يا واد صحيح عسى الله تكون مليح وراجب للامام امك عتدعي ليك وعتسلم عليك وتقول بعد السلام خليك ددع لابوك لايجولو منين دابوك ويمسخوا الكلام”
قرر إرسال تلك الرسالة بهذه اللغة العامية القح ليفهمها ويتفاعل معها أبناء البلد المقاتلون، وذهب سريعًا لينشرها، ولكنه عندما وصل إلى روزاليوسف، وجد الوجوه باهتة، ونشوة الانتصار لا تكسوها، فساوره القلق، وظلت الحيرة تراقب الوجوم، والاثنان يكسوان الوجوه، حتى خرج عبد الناصر ببيانه في المساء، معلنًا أننا هُزمنا، وأن جنودنا سُلِّموا في العراء للقتل والركض، وأنه “على استعداد لتحمل المسؤولية كلها”، وأعلن قراره بأن “يتنحى تماما ونهائيا عن اي موقف رسمي واي دور سياسي وأن يعود الى صفوف الجماهير يؤدي واجبه معها كأي مواطن آخر”.
لتنقلب الحال على نجم شأنه كباقي جموع الشعب، فيكتب:
“الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار”
ويختتم قائلًا:
“انشالا يخربها مداين عبد الجبار”
ثم انطلق الشعب المصري في الشوارع رافضًا النكسة والهزيمة، ورافضًا أن يخلو مكان القائد، وأن يترك الجمل بما حمل، وأن تظل الخيمة بلا عمود. وكان نجم في الصفوف الأولى، يساوره ما تعلّمه وسمعه قديمًا في صغره من غناء لأطفال القرية، فبكى مصر وحالها قائلًا:
“ناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة والبقرة حلوب تحلب قنطار لكن مسلوب من اهل الدار”
ويختمها بوصف ما آلت إليه الأمور وسببها:
“وقعت م الجوع و من الراحة البقرة السمرة النطاحة”
لتكن هذه أول قصائد الرد على الهزيمة.
وأطلق نجم العنان لقلمه ولسانه، منتقدًا كل الأحوال والسياسات التي أودت بالبلد إلى تلك الحال، فيكتب بلا خطوط حمراء، ويغني الشيخ إمام بلا اهتزاز صوت ولا توتر قلب، ويُعتقل الاثنان بأمر عبد الناصر شخصيًّا، ولم يخرجا من السجن إلا بعد وفاته، لتبدأ مرحلة أخرى من مراحل مشاكسات هذا الفاجومي الصلب الجريء، الذي ما كتم صوته مهما واجه من عذابات؛ فمصر التي أحبها كانت أغلى عنده من حريته وعيشه الهادئ، فلم يرَ أي قرينة تحمله على تفادي تلك الصعاب إذا ما جعل مصر أمامه:
“كل عين تعشق حليوة وانتي حلوة في كل عين يا حبيبتي قلبي عاشق واسمحي لي بكلمتين كلمتين يا مصر يمكن هما اخر كلمتين حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين”
