
مقال 3 دقائق للقراءة
القدوة الحسنة في زمن الوجوه المتعددة... من يستحق أن نقتدي به؟
المقال التاسع من سلسلة: «الأخلاق بين واقع مؤلم وأمل في الإصلاح» ـــــــــــــــــــــــــــــــ،
في المقال السابق، انتقلنا من الشكوى إلى التغيير، وتساءلنا كيف يمكن أن نستعيد الأخلاق في تفاصيل حياتنا اليومية. واليوم، نقترب من قضيةٍ تمسّ جوهر التربية: القدوة؛ ذلك المثال الذي تراه العين، وتلتقطه الروح، وتتعلمه النفس قبل أن تفهمه الكلمات. فالإنسان لا يتربّى بما يسمعه وحده، بل بما يراه ويتعايش معه. وقد ينسى الطفل نصيحةً طويلة، لكنه يتذكر موقفًا صادقًا شاهده، أو عدلًا لمسه، أو رحمةً وجدها في شخصٍ يثق به. ومن هنا، لا يكفي أن نطالب أبناءنا بالأخلاق؛ علينا أن نكون أمامهم صورةً حيّة لما نريد أن نغرسه فيهم.
حين تتحدث الأفعال بصوتٍ أعلى من الكلمات
في زمنٍ تتعدد فيه الوجوه التي تظهر أمامنا، قد يختلط النجاح الأخلاقي بالشهرة، وقد يُظن أن كثرة المتابعين دليلٌ على استحقاق الاقتداء. لكن الشهرة لا تصنع فضيلة، والصورة اللامعة لا تكشف دائمًا حقيقة صاحبها. القدوة الحقيقية ليست بالضرورة شخصًا مشهورًا أو صاحب منصب. قد تكون أمًّا تحفظ كرامة أبنائها وهي تصحح أخطاءهم، أو أبًا يلتزم بوعده رغم صعوبة الوفاء به، أو معلمًا ينصف طالبًا لا يملك ما يدافع به عن نفسه، أو عاملًا يؤدي أمانته حين يغيب الرقيب. إننا نقتدي بمن تتوافق أفعاله مع قيمه، وبمن يحفظ حقوق الآخرين، ويعامل الناس بكرامة، ويملك شجاعة الاعتذار، ولا يجعل مصلحته مبررًا لإيذاء غيره.
القدوة لا تعني التقليد الأعمى
تبدأ القدوة من البيت، لكنها لا تنتهي عند بابه. فالمدرسة تُعلّم أبناءنا من خلال عدل المعلم، واحترام النظام، وطريقة حل الخلافات. والمجتمع يرسل رسائله عبر ما يكرّمه وما يتسامح معه: هل يقدّر الأمانة، أم يكافئ التحايل؟ هل يحمي الضعيف، أم يتركه وحيدًا؟ هل يحترم صاحب العمل المتقن، أم يجعل المظهر أهم من الجوهر؟ وحين تتعاون الأسرة والمدرسة والمؤسسات على تقديم نماذج صادقة، يصبح الطريق أمام الأبناء أكثر وضوحًا. أما إذا سمعوا قيمةً في مكان، وشاهدوا نقيضها في مكانٍ آخر، فإنهم يحتاجون إلى حوارٍ واعٍ يساعدهم على فهم هذا التناقض، لا إلى لومٍ يزيد حيرتهم.
أن نكون قدوةً ولو في موقفٍ صغير
قد لا يملك كل واحدٍ منا سلطةً لتغيير المجتمع، لكنه يملك أثرًا فيمن حوله. حين نردّ حقًا، أو نرفض سخريةً من إنسان، أو نعتذر عن كلمةٍ قاسية، أو نلتزم بالنظام رغم غياب الرقابة، فإننا نضع أمام الآخرين مثالًا حيًّا على أن الأخلاق ممكنة، وليست حلمًا بعيدًا. وقد يمرّ هذا الموقف دون تصفيق، لكنه يترك أثرًا في ذاكرة من شاهده. فالقدوة لا تحتاج إلى منصة؛ يكفيها ضميرٌ يقظ وسلوكٌ صادق.
خاتمة: لنكن الصورة التي نرجو أن يراها أبناؤنا
إن إصلاح الأخلاق يبدأ حين ندرك أن أبناءنا لا ينظرون إلينا فحسب، بل يتعلمون من طريقتنا في الغضب، والاختلاف، والاعتذار، والوفاء، واحترام حقوق الناس. فإذا أردنا جيلًا صادقًا، فلنحترم الحقيقة. وإذا أردناه عادلًا، فلنُنصف من حولنا. وإذا أردناه رحيمًا، فلنحفظ كرامة الإنسان في حضورنا وغيابنا. لسنا مطالبين بأن نكون كاملين، بل أن نكون صادقين في محاولتنا، شجعانًا في مراجعة أنفسنا، ثابتين على القيم حين تختبرنا الحياة.
فأيُّ أثرٍ نتركه في أبنائنا: أثرُ كلماتٍ يسمعونها، أم أثرُ أخلاقٍ يرونها؟
وفي المقال القادم، ننتقل إلى سؤالٍ آخر: كيف نواجه التنمر والإيذاء، ونحوّل ثقافة السخرية إلى ثقافة احترامٍ وتقبّلٍ للآخر؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، بقلم / أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وروائي وشاعر
