عـزاء مؤجـل
عاش رجـل أعواماً طويلة يؤجل كل لقـاء عائلي، وكل رحـلة، وكل التفاتة دافئة لمن يحب، متعاملاً مع مستقبله كشخص غريب يضحّي لأجله، ومتسلحاً بوهم أن الآتي أجمـل وأن عليه العمل ليـل نهـار لتأمين غـدٍ آمـنٍ لأسرته. كان يغادر المنزل قبل استيقاظ أطفالـه، ويعود بعد أن يغرقوا في النـوم، وحين يعاتبه أحدهم، كان يبتسم مؤكداً أنـه يصنع ذلك لأجلهم وحدهم.
تسللت الأيـام خلسةً، حتى حصد الرجـل ثمـار سعيه وأهدافه، وأنشأ القصر الفسيح الذي حلـم بـه طويلاً. وفي ليلـة سـاكنة، إثـر فراغه من كل التزاماته، استقر وحيداً في قـاعة داره الواسعة، حيث تفوح رائحة القهوة الباردة ويتردد في زواياها صدى خطوات أطفال منسية على الدرج؛ فالتفت ليشرك زوجته وأبناءه ثمرة جهده، فوجد أن الأبناء بلغوا الشباب وضاعت طفولتهم في غيابه، وأن الدار الكبيرة تلفها وحشـة مؤلمة. ليدرك حينها صدمته الموجعة، أنـه قضى عمـره يشتري الغـد، بينما اختطف منه الغد حاضره الذي يستحيل استرجاعه.
نحن اليوم، ونحن نخطو نحو عام ٢٠٢٧، نكرر ذات الحكاية بحذافيرها؛ نغرق في صخب الشاشات وطمع الانتباه الرقمي، هاربين من سكون بيوتنا إلى زحمة جيوبنا ووعود التطوير الدائم، فنؤجل التواصل الدافئ، ونُسوف الضحكات العائلية، ونقايض اللحظة الحالية بوهم بنـاء المستقبل. إن التأجيل شكل خفي للانتحار البطيء؛ فحين نؤجل العاطفة، نعلن مـوت الشعور تدريجياً، ناسين أن الحياة الحقيقية تتمثل في الأنفاس التي نعيشها الآن، متجاهلين أن الأيام تمر من بين أصابعنا بينما تحدق عيوننا في أفـق بعيد.
الخسارة الكبرى يا أحـباء تتمثل في أن ندرك اتجاهنا الصحيح بعد نفـاد وقـود العـمر، فحين ينفصل السعي عن وعـي اللحظة، تتحول أحلامنا إلى قبـور من زجاج. لتثت لنـا أن السعـادة الحقيقية تقيـم في تفاصيلنا الصغيرة الحالية، وتنتظر مـنا عناقاً صادقاً قبل أن تطوي الريح أوراقنـا.
💫سؤالي: ما قيمة الغـد إن خسرنا اليوم؟
_______
#وسام_طيارة_السوري #عائلة #ثقافة #أدب #الغواص #لآلئ_اليوم @المتابعون
51 مشاهدة