
مقال 3 دقائق للقراءة
حلم العودة ...
فلسطين من البحر الى النهر .. حتمًا سنعود
- كم مر على مغادرة الديار ؟ ..
- 78 سنة .. ..
- ا لا زلت تحمل حلم العودة .. بعد 78 سنة ؟
- المسألة أعمق من حلم .. انها حتمية ..
حتما سأعود هناك .. أعلم أنه بات أمرا مستحيلا .. شبَح الصقيع لازال جاثِما دون حَرَاك .. لا زِلتُ أذْكُر أدَقَّ تفَاصِيلِ العتمة مِن حَوْلِي كيْفَ لِلأَنفَاسِ أن تُحَاكِي بَاعِثَهَا .. تَارَة تَتَحفّظْ وتَارَة تروي .. كيف للتائه أن يتلهف لمعان البرق إذ يهوي .. لا تغرنك سريالية الصورة .. احيانا يصبح البرق المنارة الوحيدة في الظلمات ، سأدبر ثانية و ان كانت الوجهة اللاشيء .. و ان كانت نسمات بعبق القيء .. لا زلت أذكر جيدا طرطقة الأضلع من الهلع .. الموت .. و غربان يشبه نعيقها ما تطلقه سيارات الإسعاف أثناء جمع الرّفات .. الحصى تحت أقدام الحفات .. أجساد خمدت دماؤها كبقية العُرات .. لم أنسى شيئا .. الكل متهم ملاحق والتهمة .. انّنا فتحنا لهم ديارنا يوم شتاتهم، ارحناهم بؤس السفر .. فرحّلونا .. كان الكل قاسيا وأعتاهم البحر كنت صغيرا حينها محمولا على ظهر والدي ، جبلا لا يخرّ .. لم أعلم بعد أن البحر شديد الملوحة .. صدقًا .. لقد كان أمرّ من العرق المتصبّب من جبين والدي، أثناء عبورنا الصحراء ..
- هل تذوقته ..
- كنت أستصيغ مذاقه عند الضمئ ..
لم يكن من اولويّاتنا عند الرحيل حمل الماء .. كانت الأولويّة الوحيدة هي البقاء للثانية المقبلة .. للدقيقة المقبلة وكثيرا ما كنت أرى لمعان أعين من حولي ينطفئ وهلة قبل بلوغ الساعة المقبلة .. كنت الوحيد الذي يستاء بزوغ الشمس .. لتحمل مع إطلالتها مزيد الأبابيل المقبلة .. كنا نسحق دون هوادة .. نحدف من البر الى البحر ومن البحر الى البر .. كأن الأرض تتقيأنا بعبادها .. سأعود و لا أذكر هناك سوى الصراخ .. أصوات الرصاص ورائحة الجحود ..
أذكرني في حضن أبي مهرولا .. كنت بالكاد أرى السماء من فوقي ومزيد الخوف خلفي قادما .. ترى ا لازالت هناك ..؟
- من ...!؟؟
- مبعوثة ملك الموت التي عرقلت تقدم أبي ورمت به أرضا ..
كان الكل يركض نحو العدم وكان صحفية قبالتنا .. تلتقط الصور الاخيرة .. ومن خلفنا جحافل مسلحة تزهق الارواح بذات الوتيرة .. كان الكون يضج بالساخطين في وجوهنا بلا سبب ، حتى الجسد خرّ في الأمتار الأخيرة .. عرقلت ابي و هي تحمل عدسة الحقيقة ..
لا أريد أن أرى والدي يهزم .. لا أريد أن أرى السماء تدك الرؤوس والأرضَ تطمر كل آثم ..
لكن أي إثم إقترفنا ونحن عُزّل ..؟ أي إثم .. توارثته نساؤنا الثُّكّل .. أي إثم كان صنيع أنامل طفل ليقطفها الصقيع وتؤكل ..
- ا تعلم؟
- ماذا؟
- لي توأم تركته للحرب ..
كلانا يعلم أني على الضفة الخاطئة وأن ما نشاهده ، ليس سوى أطلال من ظلوا هناك وصافرة القطارات المفزعة التي تخترق آذني ليلا .. ليست سوى بقايا صراخ تناقل عبر الزمن من مدن الهلاك .. كلانا يعلم أن الزيف مانرسمه على ملامحنا إبتهاجا والقلب يفيض بالإرتباك .. كلانا يعلم مافعلت دكات سراويلهم بالسبايا العراة .. وطئنا الدماء معًا .. كنا حفاة و كتبت أناملنا على بقايا الرماد حروفا لم تترك لمناسبة .. كلانا شهد النهاية .. تجرع مرارتها أقداحا حد الإمتلاء .. كنّا أطفالا و كبارنا أبرياء .. إعتدنا أن يحمل احدنا وزر من إشتد به الرحيل الغليظ .. بعض نظرات و نفخات دافئة تلهب صقيع الأنامل .. و ملك الموت لا يستعطف أحدا .. وكان أحدهم كلانا و ظللت أنا .. وحدي هنا على الضفة الخاطئة .. انتظر العودة هناك ..
