
مقال دقيقتان للقراءة
الاختلافُ في الرأي
وهم الشعار وحقيقة السلوك
كثيراً ما نردد تلك العبارة الرنانة التي تُرفع كشعار مدني وأخلاقي نبيل: "الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية".. نبدأ بها النقاشات، ونزين بها مجالس الحوار، ونتباهى بها في وجه التعصب. لكن سرعان ما يسقط هذا القناع البراق عند أول امتحان حقيقي للاختلاف، لنجد أنفسنا أمام مفارقة مرة وصادمة.
الهوة بين القول والواقع
إن النظريات دائماً ما تكون أطهر وأجمل من الواقع الذي يصنعه البشر؛ فالقاعدة في أصلها أمارةُ وعيٍ ونضج، غير أن الممارسات اليومية تشوهها وتحولها إلى ضدها تماماً. أولئك الذين يتشدقون بهذا الشعار على منابر التنظير، هم غالباً أول من ينقضه في ساحة الممارسة.
حين يختلف معهم أحدهم في فكرة أو رأي، فإنهم لا يناقشون الحجة بالحجة، ولا يردون الدليل بالدليل، بل يتحول الخلاف الفكري العابر إلى معركة وجودية وصراع محتدم.
آليات الإفساد: الصراع، الإقصاء، والتعالي
لا يتوقف الأمر عند حدود الاختلاف المشروع، بل يتجاوزه إلى منظومة متكاملة من التدمير الممنهج للعلاقات الإنسانية، وتتجلى في ثلاثة مظاهر رئيسية:
- الصراع المستعر: حيث تتحول طاولات الحوار إلى حلبات صراع، يُراد فيها كسر الطرف الآخر لا إقناعه، وكأن الحق حكرٌ مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
- الإقصاء المتعمد: لا يكفي المخالف أن يُهزم في النقاش، بل يُسعى إلى إلغائه تماماً، وتهميش صوته، وحرمانه من حقه في الوجود ضمن المساحة المشتركة.
- التعالي المقيت: لغة الاستعلاء الفكري والنفسي التي تصم الآخر بالجهل أو سوء الفهم لمجرد أنه تجرأ على رؤية الزاوية من منظور مختلف.
أزمة الإنصات الغائب
ولعل الكارثة الكبرى وأصل الداء تكمن في العجز التام عن الاستماع للآخر. فمعظم المحاورين اليوم لا يستمعون ليفهموا، بل يستمعون فقط ليردوا!
آذانهم صماء عن قبول فكرة أن هناك رأياً آخر يستحق الاحترام، وقلوبهم ضيقة عن استيعاب التنوع الذي فطر الله البشر عليه. إنهم يريدون نسخاً مطابقة لأفكارهم، وقوالب مكررة لعقولهم، وحين يرتطمون بصوت حر مختلف، تبدأ لغة الإقصاء والعلو.
الخلاصة
إن الود لا يفسده تنوع الأفكار وتعدد المدارك، بل تفسده النفوس الضيقة والأنا المتضخمة التي تظن أن امتلاك الرأي هو امتلاك للحقيقة المطلقة. ما أحرانا اليوم أن نغادر مرحلة "التشدق بالشعارات" إلى رحاب "القبول الحقيقي" للآخر، حيث يسعنا الاختلاف بسعة الأفق، وتبقى أواصر الود والتقدير صامدة رغم اختلاف الرؤى. #بقلمي #حبيت_أقول #صباح_الخير #بوح_الأدباء #مجتمع_عام #مجتمع #لآلئ_اليوم @المتابعون
