
مقال 3 دقائق للقراءة
سجن ونصر
أصله شاف صورتين جمال في العيون الطيبين مصر في العين الشمال وانتي في العين اليمين
بعد وفاة الرئيس عبد الناصر، تولّى مسؤولية الحكم آنذاك الرئيس محمد أنور السادات، وكانت المؤشرات لا توحي بحرب ولا بتخلّص البلاد من الاحتلال. وكان أحمد فؤاد نجم قد خرج من معتقل عبد الناصر ليجوب شوارع مصر مرة أخرى، في جوّ كان شعاره وقتها أن يتنفّس الناس الحرية التي حُرموا منها، وينعموا بالديمقراطية (ذات الأنياب)، كما وصفها الرئيس السادات.
فعادت الحركة الطلابية في الجامعات إلى نشاطها، وانتشرت مجلات الحائط. وكان الرئيس، في تلك السنة، قد وعد بشنّ حرب على العدو، ولكنه علّل عدم قيامه بذلك بسبب انتشار الضباب الكثيف في السماء نتيجة الحرب الهندية الباكستانية، وأن حلفاءنا الروس مشغولون بمساندة الهند في الحرب، ولا يمكن لهم المشاركة في حربين في آن واحد، مما أثار حفيظة الطلاب، فلم يتقبّلوا تلك الحجج الواهية من وجهة نظرهم.
ونظّموا مظاهرات خرجت من الجامعة وامتدت إلى ميدان التحرير. وبالطبع، كان أحمد فؤاد نجم أول المتظاهرين، وأول من قُبض عليه في تلك المظاهرات، ووُجّهت إليه تهمة إثارة الفتنة والبلبلة بين شباب الجامعة، ليدخل السجن مرة أخرى.
فإذا نظرت إلى هذه الأيام الدُوَل، فلن تجد ثابتًا فيها إلا هذا النجم الفاجومي. وفي معتقله تلك المرة، استحضر شيطان الشعر، فكتب أعذب القصائد، واصفًا الحال ومعبّرًا عن حبه لمصر برسالة لزوجته وحبيبته عزة بلبع؛ استقى حبها من حب مصر، وحب مصر من حبها، فربط بين الحبين ترابطًا مبدعًا: “كنا قال انا وانتي قال في جنينة خضرا ومحاوطها البرتقان والسيسبان وانتي جوة قرنفلاية بالعبير بتستحمي اجري يمك يا هوايا تسبقيني وتجري يمي”
ولكن لم يتركهما الزبانية على تلك الحالة الحالمة من الحب الوديع، إذ هجموا عليهما وهدموا هذا العش الهادئ، ووجّهوا إليه التهم المختلفة، ليردّ هو بلسانه اللاذع: “انتو دود الارض والآفة المخيفة انتو ذرة رمل في عيون الخليفة انتو كرباج المظالم والمآسي انتو علة في جسم بلدي انتو جيفة”
لينهالوا عليه بالضرب المبرح الموجع، وينظر أحدهم في عينيه، علّه يلمح فيهما خوفًا يتشفّى به: “بص واحد من التنابلة جوة عيني وانتي عارفة عينيا صافية وطيبين زي كل عيون بلدنا يا حبيبتي شباكين ع القلب دوغري موصلين”
وكانت النتيجة أن ارتجف هذا المجرم خوفًا: “هو بص في عيني بصة ارتجف وفي حلقه غصة واتعوج ومال وقال كلمتين مش مفهومين أصله شاف صورتين جمال في العيون الطيبين مصر في العين الشمال وانتي في العين اليمين”
هل رأيت إنسانًا من قبل يخاطب حبيبته ويشبّه حبه لها بحبه لوطنه؟ لن تجد إلا هذا النجم الذي عشق مصر كما لم يعشقها أحد، ولم يغلب عشقُ أحدٍ عنده عشقَها.
وتمر الأيام، ويخرج من المعتقل، ويكون السادات قد أعطى أوامره بالهجوم، لتنطلق قوات الجيش المصري عابرة قناة السويس، وتسحق قوات العدو، وتحطّم أسطورة الجيش الذي لا يُقهر.
وعندما علت الأغاني والأفراح، تنادي بالقيادة والسلطة وحكمتهما في القرار، طار لُبّ نجم إلى أبناء البلد الذين حملوا السلاح وهزموا المحتل، فكتب: “دولا مين ودولا مين دولا ولاد الفلاحين دولا مين ودولا مين دولا عساكر مصريين دولا الورد الحر البلدي يصحى يفتح تصحي يا بلدي دولا خلاصة مصر يا ولدي دولا عيون المصريين”
وتنتهي الحرب بانتصار المصريين، ولنبدأ في المقال القادم بما بعد الحرب، وسياسات البناء، وما سيؤول إليه حال المواطن، وبالطبع حال الفاجومي أحمد فؤاد نجم.
