
مقال 7 دقائق للقراءة
حين تصبح السخرية جرحًا... التنمّر وسقوط إنسانية الإنسان
المقال العاشر من سلسلة: «الأخلاق بين واقع مؤلم وأمل في الإصلاح» ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،
في المقال السابق، تحدثنا عن القدوة الحسنة، وعن أولئك الذين يتركون في نفوس الأبناء أثرًا لا تمحوه الأيام. واليوم، نقترب من ظاهرةٍ تكشف الوجه الآخر للتربية حين تغيب الرحمة، ويضعف احترام الإنسان، وتتحول الكلمة من جسرٍ يصل القلوب إلى سكينٍ معنوية تترك في النفس جرحًا لا تراه العيون. إنها ظاهرة التنمّر؛ ذلك السلوك الذي قد يبدأ بضحكةٍ عابرة، أو لقبٍ ساخر، أو تعليقٍ يظنه صاحبه مزاحًا، لكنه قد يتحول إلى عبءٍ ثقيل يحمله إنسانٌ كلما تذكّر الموقف أو واجه أصحابه. ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا يختلف الناس؟ فالاختلاف طبيعة الحياة، وإنما السؤال الأهم: كيف تحوّل اختلاف الإنسان عن غيره إلى سببٍ للسخرية منه، بدلًا من أن يكون مدخلًا لفهمه واحترامه؟
أولًا: التنمّر... حين يبحث الضعف عن ضحية
ليس كل مزاحٍ تنمّرًا، وليس كل اختلافٍ في الرأي إساءة. لكن الخط الفاصل يظهر حين يتحول الكلام أو التصرف إلى استهدافٍ متكرر لشخصٍ بقصد إهانته أو إخافته أو التقليل من شأنه، أو حين يُستغل تفاوت القوة لإسكاته وإذلاله. قد يتعرض طفلٌ للسخرية بسبب طريقة كلامه، أو ملابسه، أو مستواه الدراسي، أو ظروف أسرته. وقد يجد آخر نفسه مستهدفًا لمجرد أنه هادئ، أو مختلف في اهتماماته، أو لا يستطيع مجاراة مجموعةٍ تفرض عليه ما تريد. وهنا لا تكون المشكلة في الشخص المستهدف، بل في السلوك الذي يتخذ من الاختلاف ذريعةً للإيذاء. فالإنسان الواثق من قيمته لا يحتاج إلى الانتقاص من قيمة الآخرين، ولا تُثبت القوة الحقيقية نفسها بإخافة الضعفاء، بل بالقدرة على ضبط النفس، واحترام الحدود، وحماية من لا يستطيع الدفاع عن حقه.
ثانيًا: الكلمة التي تضحك الجميع وتبكي واحدًا
كم من كلمةٍ قيلت في مجلسٍ فضحك لها الحاضرون، بينما بقي أثرها في قلب إنسانٍ واحد! إننا كثيرًا ما نقيس الكلام بنيّتنا نحن، لا بأثره في الآخرين. نقول: «كنا نمزح»، وكأن المزاح يمنحنا حق تجاوز الكرامة. لكن النية الحسنة لا تُلغي مسؤولية الإنسان عن أثر سلوكه، ولا تجعل الإهانة مقبولة لمجرد أن قائلها لم يقصد الأذى، خصوصًا إذا تكرر السلوك بعد أن عرف صاحبه أنه مؤلم. ليست الأخلاق أن نضحك مع الآخرين فحسب، بل أن نتأكد من أننا لا نجعل أحدًا يدفع ثمن ضحكنا. فالفارق كبير بين ضحكةٍ تجمع الناس حول الفرح، وضحكةٍ تصنع من إنسانٍ مادةً للتسلية. الأولى تُقرّب القلوب، والثانية تُعلّم أصحابها أن مشاعر الآخرين أقل قيمةً من لحظات مرحهم.
ثالثًا: لماذا يتنمّر بعض الأبناء؟
لا يولد الطفل محبًّا لإيذاء الآخرين بالضرورة؛ فسلوكه يتأثر بما يراه، وبما يتعلمه، وبالبيئة التي ينمو فيها. وقد تتعدد أسباب التنمّر، ومنها: التقليد: حين يشاهد الطفل السخرية والإهانة في محيطه، فقد يظن أن ذلك أسلوبٌ طبيعي للتعامل. طلب القبول: قد يؤذي بعض الأبناء غيرهم حتى يضحك الأصدقاء أو يشعروا بانتمائهم إلى المجموعة. سوء فهم القوة: قد يعتقد الطفل أن السيطرة على الآخرين دليل شجاعة، لأنه لم يتعلم الفرق بين الحزم والاعتداء. ضعف مهارات التعبير: قد يلجأ بعضهم إلى الإيذاء بدلًا من التعبير عن الغضب أو الغيرة أو الخلاف بطريقة سليمة. غياب المحاسبة: حين يتكرر السلوك دون تدخلٍ جاد، قد يترسخ لدى صاحبه الاعتقاد بأنه يستطيع الاستمرار بلا عواقب. لكن فهم الأسباب لا يعني تبرير التنمّر، بل يساعدنا على علاجه من جذوره. فنحن بحاجةٍ إلى حماية من يتعرض للإيذاء، وفي الوقت نفسه إلى تعليم من يمارسه كيف يتحمل مسؤولية أفعاله ويغيّر سلوكه.
رابعًا: الأسرة... أول حصنٍ في مواجهة التنمّر
لا يكفي أن نقول لأبنائنا: «لا تتنمّروا»، بل علينا أن نُعلّمهم كيف يحترمون الاختلاف، وكيف يعبّرون عن غضبهم دون إهانة، وكيف يعتذرون حين يخطئون. وعلى الأسرة أن تُصغي إلى الطفل إذا اشتكى، وألا تسخر من مشاعره أو تتهمه بالمبالغة. كما ينبغي أن تراقب طريقة الحديث داخل البيت، لأن الطفل الذي يسمع الإهانة يوميًا قد يعتادها، ثم ينقلها إلى المدرسة أو الشارع. وإذا مارس الابن التنمّر، فلا ينبغي تجاهل الأمر أو الدفاع عنه لمجرد أنه ابننا. المحبة الحقيقية لا تعني تبرير الخطأ، بل مساعدة الابن على إدراكه وإصلاحه، مع وضع حدودٍ واضحة تمنع تكراره.
خامسًا: المدرسة... من الصمت إلى الحماية
تتحمل المدرسة مسؤولية مهمة في مواجهة التنمّر؛ فهي ليست مكانًا للتحصيل العلمي وحده، بل بيئة يتعلم فيها الطلاب كيف يعيشون معًا رغم اختلافاتهم. ولذلك، ينبغي أن تكون هناك قواعد واضحة للتعامل مع الإساءة، وآلية آمنة للإبلاغ عنها، وتدخلٌ عادل وسريع عند وقوعها. كما يجب ألا يُترك الطالب الذي يتعرض للتنمّر وحيدًا، وألا يُطلب منه ببساطة أن يتحمل الإهانة حتى لا يبدو ضعيفًا. ومن الضروري أن يفهم الطلاب أن المتفرج ليس دائمًا بعيدًا عن المشكلة؛ فحين يضحك على الإهانة أو يشجعها، قد يزيدها قوة. أما حين يرفض المشاركة، ويطلب المساعدة من معلمٍ أو مسؤولٍ موثوق، فإنه يساهم في كسر دائرة الإيذاء. إن حماية الطالب لا تتحقق بالعقاب وحده، بل أيضًا بتعزيز ثقافة الاحترام، ومتابعة السلوك، ومساعدة جميع الأطراف على فهم خطورة ما يحدث.
سادسًا: التنمّر الإلكتروني... إساءة تتجاوز حدود المكان
لم يعد الإيذاء محصورًا في الفصل الدراسي أو الشارع؛ فقد تنتقل السخرية إلى منصات التواصل، وتتحول صورةٌ أو رسالةٌ أو تعليقٌ جارح إلى مادةٍ يتداولها الآخرون. وقد يظن من يكتب خلف الشاشة أن المسافة الرقمية تُسقط عنه المسؤولية، لكن الكرامة الإنسانية لا تتغير بتغير الوسيلة. فما نرفض قوله وجهًا لوجه لا يصبح مقبولًا لمجرد أننا كتبناه خلف شاشة. ومواجهة هذا النوع من التنمّر تبدأ بعدم المشاركة في نشر الإساءات، وعدم إعادة تداول الصور أو الشائعات المؤذية، وحفظ الأدلة عند الحاجة، وإبلاغ المنصة أو المسؤولين في المدرسة، والاستعانة بشخصٍ بالغ موثوق إذا كان المتضرر صغير السن أو يشعر بالخوف. فليس كل ما يمكن نشره يستحق النشر، وليس كل ما يثير الضحك يستحق أن يتحول إلى أذى.
سابعًا: كيف نستبدل ثقافة السخرية بثقافة الاحترام؟
إن مواجهة التنمّر تحتاج إلى مشروعٍ أخلاقي يبدأ من اللغة التي نستخدمها، ويمتد إلى القوانين التي تنظم تعاملنا. يمكننا أن نبدأ بخطواتٍ عملية: نعلّم أبناءنا التعاطف: أن يسألوا أنفسهم كيف سيشعرون لو وُجّهت إليهم الكلمات نفسها. نضع حدودًا واضحة: فلا يُقبل الإيذاء بحجة المزاح أو الصداقة أو اختلاف الطباع. نحمي المتضرر: بالاستماع إليه، وتصديقه، وتقديم الدعم المناسب له. نحاسب دون إذلال: فنوقف السلوك ونوضح عواقبه، مع إتاحة فرصةٍ حقيقية للتعلم والتغيير. نكرّم المواقف النبيلة: كالدفاع عن زميلٍ مستهدف، ورفض المشاركة في السخرية، والاعتذار الصادق. نكون قدوة: لأن الطفل الذي يرى الكبار يحترمون الناس، حتى عند الخلاف معهم، يتعلم أن الكرامة ليست امتيازًا يُمنح لمن نحب فقط. إن الهدف ليس أن نصنع جيلًا يخشى العقاب، بل جيلًا يدرك أن احترام الإنسان قيمةٌ لا تتوقف على مظهره أو قدراته أو مكانته الاجتماعية.
خاتمة: لا تجعلوا إنسانًا يدفع ثمن اختلافه
إن المجتمع الذي يسمح بالسخرية من الضعيف، ثم يطالب أبناءه بالرحمة، يشبه من يزرع الشوك وينتظر أن يحصد الورد. وليس المطلوب أن يتشابه الناس حتى يحترم بعضهم بعضًا؛ فالحياة تتسع لاختلاف الطباع والأفكار والقدرات. إنما المطلوب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهين، وكيف نمزح دون أن نجرح، وكيف نمتلك القوة دون أن نحوّلها إلى وسيلةٍ للسيطرة على الآخرين. فلنُعلّم أبناءنا أن الإنسان لا تُقاس قيمته بقدرته على إخضاع غيره، بل بقدرته على حفظ كرامته وكرامة الآخرين. ولنتذكر أن كلمةً طيبة قد تمنح إنسانًا شعورًا بالأمان، وأن موقفًا عادلًا قد يعيد إليه ثقته بنفسه، وأن صمتنا عن الإيذاء قد يتركه وحيدًا في وقتٍ يحتاج فيه إلى من يقف بجانبه. فالأخلاق ليست أن نكون طيبين مع من يشبهوننا، بل أن نحفظ إنسانيتنا حين نلتقي بمن يختلف عنا. وفي المقال القادم، نفتح ملفًا آخر من ملفات الأخلاق: «الأمانة والضمير... لماذا نفعل الصواب حين لا يرانا أحد؟» لنبحث في القيمة التي تجعل الإنسان أمينًا حتى في غياب الرقيب، وصادقًا حتى حين يكون الكذب أسهل، ونزيهًا حتى حين تبدو الخيانة طريقًا أقصر للمصلحة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ، بقلم / أحمد عزيز الدين أحمد كاتب وروائي وشاعر
