أبو فراس الحمداني… حين عجز السيف، تكلّم الشعر
لم يكن أبو فراس الحمداني شاعرًا يجلس في الظلال لينظم قصائد الغزل، بل كان فارسًا يعرف صليل السيوف، ويخوض المعارك، ويحمل في قلبه كبرياء الأمراء وعزّة المحاربين. لكن الأقدار ساقته إلى تجربة غيّرت وجه شعره إلى الأبد؛ وقع أسيرًا في بلاد الروم، بعيدًا عن وطنه وأهله، فوجد نفسه في مواجهة عدوّ لا يستطيع مقارعته بسيفه، وحنين لا يستطيع إسكاته بإرادته.
هناك، خلف قضبان الأسر، وُلدت قصائده التي عُرفت بـ«الروميات»، وكأنما تحوّل القيد في يديه إلى قلم، وتحولت الزنزانة إلى فضاء أوسع من ميادين القتال.
لم يكن أبو فراس يبكي حريته وحدها؛ كان يشتاق إلى أمه، ويحنّ إلى دياره، ويعاتب ابن عمّه سيف الدولة الحمداني، الذي كان ينتظر منه أن يسعى إلى افتدائه. وفي قصائده تتجاور مشاعر تبدو متناقضة: كبرياء الفارس ورقّة العاشق، صلابة الأمير وانكسار الابن الذي يشتاق إلى أمه.
يقول في واحدة من أشهر قصائده:
«أَراكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْرُ أَما لِلْهَوَى نَهْيٌ عَلَيْكَ وَلا أَمْرُ؟»
ثم يكشف عن حقيقة تختبئ خلف ملامح الصلابة:
«بَلى، أَنا مُشْتاقٌ وَعِنْديَ لَوْعَةٌ وَلَكِنَّ مِثْلي لا يُذاعُ لَهُ سِرُّ»
كأنّه يقول إن الصلابة لا تعني غياب الألم، وإن الكبرياء لا تعني موت المشاعر، وإن الإنسان قد يحمل في داخله عاصفةً كاملة، بينما لا يظهر على وجهه سوى السكون.
ولعلّ أكثر ما يميّز أبا فراس أنه لم يسمح للأسر بأن يسلبه صورته عن نفسه. فقد حُرم حرية الحركة، لكنه ظلّ حرًّا في كلماته، رافضًا أن يتحوّل ألمه إلى استجداء، أو أن يصبح حنينه تنازلًا عن كرامته.
وهنا تتجاوز الروميات حدود الشعر لتصبح تأملًا في طبيعة الإنسان نفسه؛ فنحن لا نعرف حقيقة القوة إلا حين نرى ما يستطيع الإنسان احتماله دون أن يفقد ذاته، ولا نفهم معنى الكرامة إلا حين تصبح الظروف أقوى من إرادتنا.
عاد أبو فراس من أسره، ثم خاض صراعات سياسية وعسكرية انتهت بمقتله سنة 968م، وهو في نحو السادسة والثلاثين من عمره. رحل الفارس، لكن قصائده بقيت، وكأن الزمن أراد أن يمنحه انتصارًا من نوع آخر؛ انتصارًا لا تحققه السيوف، ولا تنال منه الهزائم.
إن حكاية أبي فراس ليست حكاية رجل هزمه الأسر، بل حكاية إنسان حاول أن يحفظ حريته الداخلية حين فقد حريته الخارجية. وربما لهذا ما زلنا نقرأه بعد أكثر من ألف عام؛ لأننا، مهما اختلفت أزماننا وسجوننا، نعرف ذلك الصراع القديم بين ما نشعر به وما نسمح للعالم بأن يراه منا.
فبعض القيود تُحيط بالأجساد، وبعضها يسكن الأرواح، لكن أعظم ما يستطيع الإنسان فعله هو ألّا يسمح لأيٍّ منها بأن ينتزع منه صوته.
أبو فراس الحمداني… فارسٌ سجنه الروم، فأطلقه الشعر في ذاكرة التاريخ.
17