
مقال 3 دقائق للقراءة
السطر الأخير
غرامي في الحروب يسبق سلامي وأملي في الشعوب يخلق غنايا وعشقي للكلام غالب سكوتي وكرهي للسكات جالب شقايا
بعد نصر أكتوبر المجيد عام ١٩٧٣، وبعد وقف إطلاق النار والدخول في المسارات السلمية لإنهاء الحرب ووضع المشكلات على طاولة المفاوضات، كان على الخط الموازي خطة البناء بعد الحرب؛ فاتخذ الرئيس السادات طريق الانفتاح الاقتصادي، وأحس المواطن بأنه في طريقه إلى الرخاء بعد الشدة.
وحدث في عام ١٩٧٧ أن زادت بعض أسعار السلع التموينية، فخرج الشعب في المظاهرات رافضًا تلك الزيادة، وحدثت أنواع كثيرة من الفوضى والتخريب والسلب والنهب، فخرج الرئيس السادات في خطابه بمجلس الشعب، واصفًا الأحداث بأنها (انتفاضة حرامية).
وما إن سمع نجم بذلك حتى اشتعل الجمر في عقله، وانتهز فرصة دعوته من شباب الجامعة لحضور ندوة ثقافية، وألقى قصيدته الشهيرة (بيان هام): “هنا شقلبان محطه إذاعه حلاوة زمان من القاهرة ومن كردفان وسائر بلاد العرب واليابان ومن فنزويلا وايضا ايران ومن أي دار او بلد مستباحة بفعل السياحة مع الامريكان”
وتستطيع من المستهل أن تدرك السخرية قبل أن تدخل إلى أعماق القصيدة، التي تحدث فيها عن زعيم من دول العالم الثالث، واصفًا إياه: “شبندر سماسرة بلاد العمار معمر جراسن للعب القمار وخارب مزارع وتاجر خضار وعقبال أملتك امير الجيوش ما تقدرش تنكر تقول ما اعرفوش ما تقدرش ايضا تقول ما اسمعوش شحاته المعسل حبيب القلوب يزيل البقع والهموم والكروب يأنفس يأفين يبلبع حبوب ويفضل يهلفط ولا تفهموش”
وأن هذا الزعيم سيخرج على الشعب بخطابه، الذي لن يناقش أزمة، بل سيتسبب في الأزمة. وعندما يستهل نجم كلمات الخطاب، يقوم بتقليد صوت الرئيس السادات وحركاته المشهورة في خطاباته: “بسم الله سلام عليكم وسلمون وموز واما المسائل فهنجف ولوز”
ويستمر هذا الزعيم في خطابه غير المفهوم، الذي يجمع فيه الكلمات من هنا ومن هناك، ولكن مع فرض سيطرته على الأمة التي هو فيها كل شيء، فكلامه لا يُراجع ولا يُناقش؛ فعليكم فقط بالصبر والاحتمال وتنفيذ ما يقوله، حتى: “تاكل وتشرب تبع ما يآتيلك وتغرق فى بحر العبيد والجواري وترسم حياتك حسب ما يرائيلك وتملا الحواري فساقى وقصاري تسبح بحمدك وتشكر جميلك بفضل الزبالة وطفح المجاري”
ويختتم الزعيم خطابه قائلًا، محذرًا وناصحًا: “ختاما سلاما واخر كلاما ضرورا يسود الهدوء والوئاما فماذا والا حطربقها والله واهرب فلوسي واسافر قواما سلام عليكم وسلمون وموز بصفتى رئيسا وأبا وجوز”
وبالطبع، بعدما صدح نجم بهذه القصيدة في الجامعة، بدأ البحث عنه، وأُحيلت قضيته إلى المحكمة العسكرية، التي حكمت عليه بالسجن لمدة سنة، استطاع خلالها التخفي والهروب داخل مصر، حتى حل عام ١٩٨١، الذي قام فيه السادات بحملة اعتقالات موسعة طالت جميع معارضيه من مختلف الاتجاهات، سواء المتفقة أو المختلفة معه.
وقُبض خلالها على نجم، ووُضع في السجن حتى تم اغتيال الرئيس السادات على يد الجماعات الإسلامية في أكتوبر ١٩٨١، ليخرج بعدها نجم إلى الحياة مرة أخرى، ويسير فيها ولا يسايرها.
وزار عدة بلدان عربية، فبكى على حالها جميعًا، وعلى حال الأمة كلها، ثم عاد إلى مصر، وقد نال أكبر قسط من الحرية المقيّدة في عصر الرئيس محمد حسني مبارك.
حتى جاءت ثورة يناير ٢٠١١، فتفاجأ بميدان التحرير يصدح بقصائده وأغانيه، فأحس أن نضاله لم يذهب هباءً، وأن الشباب الذين راهن عليهم وربّاهم بصوته وجرأته استطاعوا كسر القيود التي طالما حاول كسرها بقلمه، وأسقطوا النظام.
ليأتي بعد ذلك الإخوان ويقعدوا على كرسي حكم مصر، فينقلب الشعب عليهم مرة أخرى في عام ٢٠١٣، وكان الزمن قد دار دورته على هذا الثائر ذي العقد الثامن من عمره، الذي عاصر سنين غيّرت مجرى تاريخ العالم كله.
وفي أحد أيام عام ٢٠١٣، دُعي نجم للمشاركة في فعالية لنصرة القضية الفلسطينية، التي لم تفارقه ولم تفارق كتاباته. فبعدما انتهى من الندوة وعاد إلى منزله، رقد رقاده الأخير، وسكت صوته الذي ما سكت نيفًا وثمانين عامًا، لتُطوى صفحة أحد أبطالنا الذين قلّما يجود الزمان بمثلهم، والذي وصف نفسه أبلغ وصف حين قال:
“غرامي في الحروب يسبق سلامي وأملي في الشعوب يخلق غنايا وعشقي للكلام غالب سكوتي وكرهي للسكات جالب شقايا”
