عالَم يطحن نفسَه
تَسِيرُ بِنَا الأَيَّامُ أَمْ ذَاكَ سَيْرُنَا
نُعَجِّلُ مَا تَرْضَى وَيَأْخُذُ غَيْرُنَا؟
ر.بدياري.
تَسِيرُ بِنَا الأَيَّامُ شِئْنَا أَمْ أَبَيْنَا؛ يَحُلُّ بِنَا الخَطْبُ فَالخَطْبُ، خَبَرٌ سَعِيدٌ وَآخَرُ مُحْزِنٌ، لَحْظَةٌ هَادِئَةٌ وَلَحْظَةٌ مِنْ صَخَبٍ. تِلْكَ هِيَ الخَلْطَةُ الَّتِي تُطْبَخُ مِنْهَا يَوْمِيَّاتُنَا، وَذَلِكَ النَّفَقُ المُنِيرُ المُظْلِمُ لِلْحَيَاةِ، وَخَطُّ سَيْرِ المِزَاجِ المُتَقَلِّبِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ المَشَاعِرِ الإِنْسَانِيَّةِ، الإِيجَابِيَّةِ مِنْهَا وَالسَّلْبِيَّةِ.
وَمَعَ مَا يَحْصُلُ مِنْ تَطَوُّرٍ رَهِيبٍ فِي التَّكْنُولُوجْيَا الحَدِيثَةِ وَأَدَوَاتِ الِاتِّصَالِ بِالعَالَمِ، أَصْبَحَتِ الحَيَاةُ نَفْسُهَا تَسِيرُ وَفْقَ خَوَارِزْمِيَّاتٍ مَفْرُوضَةٍ تَتَطَوَّرُ وَلَا يُمْكِنُنَا التَّحَكُّمُ فِيهَا، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ سُبُلُ التَّعَارُفِ وَالتَّوَاصُلِ مَعَ الآخَرِ، وَاتَّسَعَتِ الدَّائِرَةُ وَاخْتَلَفَتْ مَعَايِيرُ وَشُرُوطُ التَّرَابُطِ، بَلْ وَاضْمَحَلَّتْ حُرِّيَّةُ الِاخْتِيَارِ؛ فَأَصْبَحَ الشَّيْءُ المُنْتَظَرُ مِنَ البَشَرِ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ مَا يَرْغَبُونَ بِهِ، بَلْ مَا تَفْرِضُهُ إِرَادَةُ مُبْتَكِرِ آلِيَّاتٍ جَدِيدَةٍ تَخْلُقُ حَاجَاتٍ جَدِيدَةً وَمُفَاجِئَةً، مُبْهِرٌ سُلْطَانُهَا عَلَى العُقُولِ وَالنُّفُوسِ. وَفِي غَمْرَةِ ذَلِكَ، يَتَسَارَعُ الوَقْتُ وَتَتَغَيَّرُ التَّوَقُّعَاتُ بِمَا سَيَحْصُلُ كُلَّ لَحْظَةٍ. العَالَمُ لَا يَنْتَظِرُ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ المَعْلُومَةَ يَصْدُمُهُ جَهْلُهُ فِي أَوَّلِ خَطْوَةٍ خَارِجَ فَضَاءِ عُزْلَتِهِ وَتَأَخُّرِهِ.
العَالَمُ اليَوْمَ لَا يُعْطِي فُرَصاً لِلِّحَاقِ، إِنَّهُ يُدَاهِمُ، يَحْتَلُّ، يَعْبَثُ بِأَسْلَاكِ اتِّصَالِنَا بِهِ، وَيَجْرُفُ هُدُوءَنَا نَحْوَ مَعْمَلِهِ الطَّاحِنِ فَلَا نَرَى غَيْرَ زَوْبَعَةِ الإِلِكْتِرُونِيَّاتِ وَضَوْءِ الشَّاشَاتِ. حَتَّى الأَخْبَارَ نَقْرَأُهَا وَنَمُرُّ؛ خَفَّ التَّأَثُّرُ بِمَا يُؤْلِمُ حَقّاً، وَزَادَ الِاهْتِمَامُ بِمَا يُنْسِي وَيُسْكِرُ! إِنَّهُ إِدْمَانُ اللَّحْظَةِ الفَارِغَةِ مِنْ أَيِّ مَعْنًى، سِوَى أَنْ تَدْعُوَ عِنَايَةَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ إِلَيْهَا فَتُحِيلَهُمَا عَلَى لَحْظَةٍ أُخْرَى فِي مَشْهَدٍ آخَرَ قَدْ يُسَمَّى قِصَّةً وَلَا يَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى القِصَصِ، وَقَدْ يُسَمَّى بِـ"الرِّيلْز" وَلَا يَمُتُّ بِصِلَةٍ إِلَى الوَاقِعِ. فَفِي أَيِّ دَائِرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ نَدُورُ يَا تُرَى؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ نَكُونُ فِعْلاً فَلَا نَخَافُ عَلَى حُرْمَتِهِ؟
انْتَهَى عَصْرُ الِانْتِمَاءِ وَبَدَأَ عَصْرُ اللَّاانْتِمَاءِ إِلَّا لِإِنْجَازٍ يُحَقِّقُهُ الإِنْسَانُ، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي نَظَرِهِ كَلِمَةً طَائِشَةً يُلْقِيهَا تَحْتَ إِلْحَاحِ النَّفْسِ بِبَثٍّ مُبَاشِرٍ عَلَى وَسِيلَةٍ لِلتَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ، أَوْ مَنْشُوراً يَتَعَلَّقُ بِمَا حَقَّقَ مِنْ تَفَاعُلَاتٍ بَعْدَهَا. يَنْتَهِي البَثُّ وَمَا بَثَّ صَاحِبُهُ شَيْئاً مِمَّا يَشْعُرُ بِهِ حَقّاً أَوْ شَيْئاً مُفِيداً لِلْمُشَاهِدِ، وَيُنْسَى المَنْشُورُ بَعْدَ سَاعَاتٍ عَلَى الأَكْثَرِ مِنْ نَشْرِهِ. تَتَطَوَّرُ التِّقْنِيَةُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ، فِيمَا تَنْحَصِرُ قِيمَةُ المَادَّةِ المَنْشُورَةِ فِي الجَنْيِ اللَّحْظِيِّ لِلْمُشَاهَدَاتِ.
الإِبْهَارُ غَايَةُ النَّاسِ فِي هَذَا العَصْرِ، وَفِي تِلْكَ السَّبِيلِ تَمْرَضُ النُّفُوسُ وَتَضِيعُ؛ تُحَاوِلُ دَائِماً أَنْ تُشْبِعَ رَغْبَتَهَا فِي التَّمَيُّزِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، تُوَفِّرُهُ التِّقْنِيَةُ الحَدِيثَةُ وَتُغَلِّفُهُ وَتَتْرُكُ فَتْحَهُ لِدَهْشَةِ المُتَلَقِّي وَالحُكْمِ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا يَعُمُّ الحُكْمُ أَحَداً فِي النِّهَايَةِ. بِذَلِكَ يَغِيبُ الإِنْسَانُ فِينَا تَدْرِيجِيّاً، وَنَنْسَاقُ نَحْوَ التَّجَرُّدِ مِنْ فِكْرَةِ العَيْشِ العَادِيِّ وَالهَادِئِ، فَلَا نَأْسَى عَلَى مَا نُضَيِّعُ مِنْ إِنْجَازٍ، وَلَا نَشْعُرُ بِخَطَرِ فَقْدِ ذَوَاتِنَا الجَمِيلَةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ يَوْماً.
وَالسُّؤَالُ المَطْرُوحُ: هَلْ مَا نَلْهَثُ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِهِ يُقَدِّمُ خِدْمَةً جَلِيلَةً -بِمَا يَحْمِلُ اللَّفْظُ مِنْ مَعْنًى- لِلإِنْسَانِيَّةِ؟ هَلْ سَيُغَذِّي الرُّوحَ وَالجَسَدَ مَعاً، وَيُشَكِّلُ أَسَاساً حَضَارِيّاً تُبْنَى عَلَيْهِ حَضَارَاتٌ قَادِمَةٌ؟ لَقَدْ فَقَدْنَا الِاهْتِمَامَ بِالإِنْسَانِ كَمَخْلُوقٍ قَادِرٍ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَهْلَكًا كِيَاناً وَطَاقَةً فيُسْتَنزفُ دُونَ تَحْقِيقِ قِيمَةٍ مُضَافَةٍ، وبينَ أَنْ يَكُونَ المُسْتَهْلِكَ الرَّاشِدَ الَّذِي يَنْتَقِي بِعِنَايَةٍ أُسْلُوبَ عَيْشِهِ وَكَيْفِيَّةَ التَّمَاهِي مَعَ طُوفَانِ التِّكْنُولُوجْيَا الحَدِيثَةِ المُتَسَارِعَةِ دُونَ إِهْمَالِ الذَّاتِ الخَلَّاقَةِ كَرَأْسِمَالٍ حَقِيقِيٍّ لِلإِنْسَانِيَّةِ في بِنَاءِ حَضَارَتِهَا.
20 أكتوبر 2026


1/2
9