خيرٌ شاحب
صعدت الشمس إلى كبد السماء، فكادت أن تحمَّ شعاعها على صبيانٍ يتقافزون ويمرحون مع بعضهم، إلا أن التسلية واللهو قد قاوما وتحدَّا قيظ الرمضاء، وصارا نفيسين من الطراز الخاص.
وبينما الصبيان منهمكون في عبثيتهم، أقبلتْ طفلة صغيرة وفي يديها دميتها البنِّية التي لا تفارقها، وقفت على بعد عشرين مترًا من الصبيان ورفعت عقيرتها لتنادي أخيها: مبارك، ماما جهزت الغداء وتناديك.
كانت تتمتم وتغنِّي لدميتها.
وثم أضافتْ حين رأت أخيها ورفاقه يتهيأون للذهاب: ماما قالت لا ترافق أحد.
ثم أشارت بيدها إلى بقية الصبيان قائلة: أنتم، لا ترافقوه، الطعام لا يكفينا حتى نحن.
هنا انكسر شيئًا ما في ترائب أحد الصبيان، إنه مصطفى، ذلك الصبي الذي طالما حاول أن يقذف كل مآسايه وذكرياته الأليمة في جُّب النسيان، وموت أمه أيضًا.
تذكَّر أنّ لسان زوجة أبيه أيضًا، لا يفارق مثل هذه العبارات، وتذكَّر في حين كانت تدعوهما هو وأخته للنوم مبكرًا، ويستيقظان صباح اليوم التالي على صوتِ الصغيرة "سامية"، التي دائمًا ما تقول ببراءة: "أكلنا لحم البارحة".
بعد ذلك الحادث فَهِم كل شيء تقريبًا، صار كلّما يأكل لحمًا يشعر بكراهية إزاءه، وعادةً يسبب له غثيان، ثم يلاحقه التقيؤ دون سابق إنذار.
وفي النهاية، علِم أنه لا جدوى من استمرار في تقيؤ، فحّرم نفسه من أكل اللحم وصار نباتيًا وهو صغيرًا.
@المتابعون

6