
مقال 6 دقائق للقراءة
حين بكت الكرك… حكاية كنيسة ومدينة جمعتهما الحياة وفرّقهما الرصاص
في مدينة تعلّم أهلها تقاسم الأفراح والأحزان، جاء من أراد تحويل جنازة إلى مأساة أكبر… لكن تاريخ الكرك يروي حكاية أعمق من ذلك اليوم.
لم يكن الذين اجتمعوا عند كنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود، جنوبي الأردن، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، ينتظرون سوى وداع إنسانة رحلت عن الدنيا.
جاءوا للمشاركة في جنازتها، والوقوف إلى جانب أهلها في ساعة حزن.
لكن قبل أن تكتمل مراسم الوداع، وصل مسلحون إلى محيط الكنيسة وأطلقوا النار على المشيعين.
وفي دقائق قليلة، تحوّل اجتماع للعزاء إلى مأساة أودت بحياة تسعة أشخاص، وأصابت آخرين.
كانت الجريمة موجعة في ذاتها، لكن لفهم عمق الجرح الذي تركته، علينا أن نعود إلى تاريخ الكرك، حيث لم تكن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين مجرد لقاء عابر بين جماعتين مختلفتين، بل حياة طويلة نسجتها الأرض والجيرة والعمل والمصير المشترك.
الكرك… حين كانت الجيرة أقدم من الشعارات
في سنة 1812م، وصل الرحالة السويسري يوهان لودفيغ بوركهارت إلى الكرك، وسجّل ملاحظاته عن المدينة وسكانها.
قدّر حينها وجود نحو أربعمئة عائلة مسلمة ومئة وخمسين عائلة مسيحية.
واللافت أنه لم يتحدث عن المسيحيين باعتبارهم جماعة غريبة جاءت إلى المنطقة، بل كانوا جزءًا من تكوينها العشائري والاجتماعي.
ومن عائلاتهم الحدادين، والعزيزات، والحجازين، والعكشة، والزريقات، والمدانات، والبقاعين، والهلسا، والمعايعة.
تلك الأسماء لم تكن مجرد أسماء في سجلات الرحالة، بل عائلات ارتبطت بأرض المدينة وتاريخها.
ويعود الوجود المسيحي في الكرك إلى العصر البيزنطي، حين كانت المدينة مركزًا كنسيًا يضم عددًا من الكنائس. واستمر هذا الحضور في مراحل تاريخية متعاقبة، وإن عرف فترات ضعف وتحولات.
وهنا تظهر معلومة قد لا يعرفها كثيرون.
فكنيسة مار جريس القديمة في الكرك كانت مقصدًا للمسيحيين والمسلمين على حد سواء، كما تذكر البطريركية اللاتينية في عرضها لتاريخ المدينة.
لكن أجمل ما في التاريخ أحيانًا ليس ما جرى داخل دور العبادة، بل ما صنعه الناس خارجها.
في القرن التاسع عشر، كانت قوافل التجارة تتحرك بين الكرك والخليل، تحمل الماشية والصوف والقمح، وتعود ببضائع من فلسطين.
وكان بعض أبناء الكرك قد انتقلوا إلى بيت جالا، حيث تعرّفوا إلى أحد الكهنة وأُعجبوا بدوره الاجتماعي والرعوي.
وعندما طلبوا إرسال كاهن لخدمة جماعتهم في الكرك، جاءت معهم رسالة تأييد من الشيخ محمد المجالي، أحد زعماء المنطقة المسلمين.
تأمل هذه التفصيلة!
شيخ مسلم يدعم طلب مسيحيين بتوفير خدمة دينية لهم.
ليست حكاية من الخيال، بل واقعة تحفظها سجلات البطريركية ضمن تاريخ تأسيس رعيتها في الكرك سنة 1875م.
وفي قرية أدر القريبة، يروي تحقيق نشرته صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» سنة 2017 أن عشيرة مسلمة قدّمت الحجر البازلتي الأسود المستخدم في بناء كنيسة مار جريس، ثم ساهم مسيحيون لاحقًا بالأرض والمال لتوسعة المسجد المقابل.
هكذا كانت الجيرة تتحول إلى فعل ملموس، لا إلى كلمات تُقال في المناسبات.
ولم تكن الحياة دائمًا مثالية؛ فقد شهدت الكرك خلافات عشائرية واقتصادية، ودفعت توترات القرن التاسع عشر بعض العائلات المسيحية إلى الانتقال نحو مادبا.
لكن تلك الخلافات لم تختصر تاريخ العلاقة كله.
وفي ديسمبر 2016، عندما شهدت الكرك هجومًا مسلحًا منفصلًا عن مأساة حمود، أسرع الشاب المسلم ماهر الحباشنة إلى منزل صديق طفولته المسيحي وضاح عمارين، وبقي يحرسه حتى عاد من عمّان.
وحين تحدث عن موقفه للصحافة، لم يقدمه باعتباره بطولة استثنائية، بل تصرفًا طبيعيًا تجاه إنسان يعتبره أخًا له.
ربما تختصر هذه الواقعة معنى الجيرة في الكرك أكثر مما تفعله عشرات الخطب.
من حكايات الجيرة إلى مأساة حمود
ولقرية حمود نفسها ذاكرة تستحق الذكر.
فالقرية مرتبطة بعشيرة الهلسا وبالحضور المسيحي الأرثوذكسي في المنطقة، وقد احتفظت كنيستها بدور ديني واجتماعي في حياة السكان.
وفي تقرير كنسي منشور قبل سنوات، نقرأ عن زيارة المطران خريستوفوروس إلى حمود، بعد إقامة القداس في كنيسة القديس جاورجيوس.
اجتمع نحو أربعمئة شخص من أبناء القرية في جمعيتها الخيرية، بحضور شخصيات كنسية ووجهاء محليين، ومن بينهم مسؤول من عشيرة المجالي.
كانت المناسبة جزءًا من حياة القرية الاعتيادية، حيث تلتقي المؤسسة الدينية بالمجتمع المحلي.
ثم جاء ذلك الجمعة الحزين.
في 23 أكتوبر 2026، استهدف مسلحون المشاركين في جنازة عند الكنيسة.
تتابعت الأخبار أولًا بأرقام مختلفة للضحايا والمصابين، قبل أن ترتفع الحصيلة المعلنة إلى تسعة قتلى وأربعة وثلاثين مصابًا.
ولم يكن الحاضرون يفكرون في خلاف ديني أو مواجهة سياسية. كانوا هناك ليودعوا راحلة، فإذا بهم يصبحون ضحايا جريمة جديدة.
تسعة أشخاص، وراء كل واحد منهم أهل وأصدقاء وحياة لن تعود.
ومن بينهم أطباء ومحامٍ، وأناس جاءوا لمشاركة غيرهم الحزن، فإذا بعائلاتهم تصبح هي نفسها بحاجة إلى العزاء.
ولعل أقسى ما في هذه المأساة أن المكان الذي اجتمع فيه الناس لمواساة أسرة فقدت عزيزًا، أصبح سببًا في اتساع دائرة الفقد إلى أسر أخرى.
في اليوم التالي، قرعت أجراس الكنائس تعبيرًا عن الحداد والتضامن.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر، تجمع الأردنيون للمشاركة في مراسم تشييع الضحايا ووداعهم.
حضر رجال دين وشخصيات رسمية وأهالٍ من مناطق مختلفة، في مشهد يعكس حجم الفاجعة التي أصابت المجتمع الأردني.
وفي السادس والعشرين من أكتوبر، أعلنت السلطات القبض على ثلاثة متهمين بتنفيذ الهجوم، مع استمرار التحقيقات.
أما البطريركيات ورؤساء الكنائس في القدس، فقد أدانوا الاعتداء وعبّروا عن تضامنهم مع أسر الضحايا، مؤكدين رفض استهداف المصلين ودور العبادة.
واللافت أن الرد على المأساة لم يكن مجرد بيانات رسمية.
لقد حضرت في مشاهد الوداع حقيقة قديمة يعرفها أبناء المنطقة: أن الحزن حين يدخل بيتًا في الكرك، لا يبقى حبيس ذلك البيت.
ما الذي يبقى بعد انطفاء الأخبار؟
بعد أيام، ستغادر الكاميرات المكان، وتهدأ العناوين، وتنتقل نشرات الأخبار إلى أحداث أخرى.
لكن العائلات التي فقدت أبناءها لن يعود يومها كما كان.
ستبقى مقاعد فارغة، ووجوه تغيب عن اللقاءات، وأسماء تُذكر في المناسبات بصوت يحمل شيئًا من الغصة.
ولا يستطيع أي مقال أن يختصر هذا الفقد أو يحيط بحزن أصحابه.
ومع ذلك، ثمة ما يستحق أن نحمله من تاريخ الكرك إلى حاضرها.
أن العيش المشترك لم يبدأ يوم أُطلقت بيانات الإدانة، ولم تصنعه المأساة فجأة.
لقد صنعته أجيال تقاسمت الأرض والعمل، واختلفت أحيانًا، وتصالحت، ووقفت إلى جانب بعضها في لحظات كثيرة.
ولذلك فإن الجريمة، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تختصر تاريخ مدينة كاملة.
فقد استغرق بناء الجيرة أجيالًا، ولا ينبغي أن نسمح لبضع دقائق من الرصاص بأن تكتب قصتها بدلًا من أهلها.
ويبقى السؤال:
كيف نحفظ ذاكرة ضحايا حمود، لا بوصفهم أسماء في خبر مأساوي، بل بشرًا يستحقون أن تكون حكايتهم سببًا في حماية الحياة التي حُرموا منها؟
المصادر والمراجع
البطريركية اللاتينية في القدس، «تعرفوا على رعية اللاتين في الكرك – الأردن»، 2025. حول تاريخ الكرك وعشائرها والعلاقات الاجتماعية وتأسيس الرعية. https://www.lpj.org/ar/news/get-to-know-the-latin-parish-of-karak
Taylor Luck، «In Jordanian city hit by ISIS, old lessons on Christian-Muslim coexistence»، صحيفة The Christian Science Monitor، 23 مايو 2017. حول التعاون بين المسلمين والمسيحيين في الكرك، ومنها قصة ماهر الحباشنة ووضاح عمارين. https://www.csmonitor.com/World/Middle-East/2017/0523/In-Jordanian-city-hit-by-ISIS-old-lessons-on-Christian-Muslim-coexistence
مطرانية الروم الأرثوذكس، «سيادة المطران خريستوفوروس يلتقي بعشيرة الهلسه في قرية حمود»، تقرير كنسي منشور قبل الحادثة. https://orthodoxjo.tv/سيادة-المطران-خريستوفوروس-يلتقي-بعشي/
وكالة Associated Press، «Gunmen open fire at a church during a funeral in Jordan»، 23 أكتوبر 2026، التغطية الأولية للهجوم. https://apnews.com/article/19599ce75b9ab6749a1e1bf2ff66f2ab
ABC News، «Death toll rises to 9 after gunmen open fire on church in Jordan»، 24 أكتوبر 2026. حول ارتفاع حصيلة الضحايا إلى تسعة. https://abcnews.com/International/death-toll-rises-9-after-gunmen-open-fire/story?id=137538843
البطريركية اللاتينية في القدس، «بيان بطاركة ورؤساء الكنائس في القدس بشأن الاعتداء على كنيسة القديس جاورجيوس الأرثوذكسية في حمود – الكرك»، 23 أكتوبر 2026. https://www.lpj.org/ar/news/statement-of-the-patriarchs-on-attack-on-the-orthodox-church-in-karak
وكالة عمون، «60 ساعة… التسلسل الزمني لأحداث هجوم كنيسة حمود والقبض على الإرهابيين»، 26 أكتوبر 2026. https://www.ammonnews.net/article/1039745
