
مقال دقيقتان للقراءة
وجهنا الذي لا يراه أحد
تأملات حول حقيقتنا خلف الأقنعة، والنسخة التي نخفيها عن الآخرين، ومدى قدرتنا على مواجهة أنفسنا وتقبّلها كما هي.
وجهنا الذي لا يراه أحد ليس ذلك الوجه الذي ينعكس في المرآة، ولا الذي يراه الأصدقاء، ولا حتى الذي يعرفه أقرب الناس إلينا. هناك وجه آخر، لا يراه سوانا، يختبئ خلف كل النسخ التي نقدمها للعالم. وجه لا يظهر إلا حين نصبح وحدنا، ويخفت ضجيج الحياة. إنه الوجه الذي نقف أمامه بلا أقنعة، فتتعرّى الروح من كل ما اعتادت ارتداءه. أحيانًا ننظر إليه فنبتسم، وأحيانًا نتجنبه، وكأننا نخشى الاعتراف بأنه نحن. وربما لو استطاع الكلام لسألنا: لماذا تحبسني في الظل؟ ولماذا تخجل من أن يراني الآخرون؟ يقال إن الإنسان يرتدي وجوهًا متعددة، تختلف باختلاف المواقف والأشخاص. فنحن نتصرف بطريقة مع أهلنا، وبأخرى مع أصدقائنا، وبثالثة في أماكن العمل. وليس في ذلك ما يدعو للاستغراب ، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: أين النسخة الحقيقية وسط كل تلك الوجوه؟ لعلنا نخفيها خوفًا من الأحكام، أو لأننا اعتدنا أن نقدم الصورة التي يفضلها المجتمع، حتى أصبحت تلك الصورة أكثر حضورًا من حقيقتنا. ومع مرور الوقت، تتراجع النسخة الأصلية إلى الخلف، وتبقى حبيسة الظل، حتى نكاد نحن أنفسنا نجهل ملامحها. وأتساءل كثيرًا: كم من زوجين يعيشان تحت سقف واحد، وكل منهما لا يعرف إلا الصورة التي اعتاد الآخر أن يظهرها؟ وكم من علاقة استمرت لأنها تعلقت بصورة مثالية، لا بالإنسان كما هو؟ وهل تستطيع العلاقات أن تستمر إذا سقطت الأقنعة، أم أن بعض الأقنعة أصبحت جزءًا من استقرارها؟ ثم يمتد السؤال إلى ما هو أبعد من العلاقات. هل شعور بعضنا بعدم الانتماء يعود إلى أننا لا نُظهر حقيقتنا؟ وهل يمكن لإنسان أن يشعر بأنه مفهوم، وهو لا يسمح لأحد بأن يعرفه كما هو؟ الأسئلة في هذا الموضوع أكثر من الإجابات. لكن يبقى السؤال الأهم: عندما نكون وحدنا، هل نستطيع مواجهة أنفسنا؟ هل تعجبنا تلك النسخة التي لا يراها أحد؟ أم أننا نهرب منها كما نهرب من نظرات الآخرين؟ ربما لا تكون أصعب مواجهة في الحياة مع الناس، بل مع الذات. فقبل أن نسأل: «هل سيقبلني الآخرون كما أنا؟» يجدر بنا أن نسأل: «هل أنا قادر على تقبّل نفسي كما هي؟» لأن الوجه الذي لا يراه أحد... قد يكون أكثر وجوهنا صدقًا.
واختم هذا المقال ب عبارة: "اعرف نفسك." سقراط
مُنى 🍂
