
مقال دقيقة للقراءة
كومة أزراري
وأنا ألملم كومة الأزرار التي تناثرت على الأرض، حاولت أن أتذكر عددها، كم قميصاً رتقته حتى بلي، كم من الفساتين علقتها في عتمة الخزانة حتى ذابت حزناً، كم إصبعا جرحت وأنا أحاول فرض عناق جديد على الخيط والإبرة لأصلح ما فسد من كل شيء؟ كانت الأزرار في كل مكان؛ تحت الطاولة؛ تحت حافة الخزانة التي يستحيل اصطياد أي شيء من عمقها؛ في كل الأدراج، في بعض الأحذية المركونة في انتظار حفلة ما، وخلف الكتب الضجرة التي تستند حوافها إلى الحائط الأخضر، في كومة الأطباق الجميلة التي تسكن في خزانة التلفاز، وفي جيب فستاني الأسود الذي لم يعرف الأزرار يوماً. لشهر مضى وأنا ألتقط كل يوم العشرات منها، صغيرة وكبيرة، ملونة وشاحبة، ذهبية تقشرت أطرافها، معجونة بالألوان التي لم أعد أستخدمها. بدأت أشعر بالذعر، أدركت أنها تتكاثر بشكل ما، وأنني لم أمتلك يوما هذا الكم الهائل من الملابس التي تحتلها الأزرار. ومع أنني لا أحب نظريات المؤامرة إلا أنني أشعر بها تنثر الأزرار من فوق رأسي كل يوم وأنا غافلة أمام شيء ما، أو أدسّ رأسي في هاتفي الأحمق، حينها أبدأ في التفكير في كل الأصابع الآثمة المزعجة التي تلوث عكارة أيامي المزدحمة بالمهام والمفروض، وتزيدها صخباً واتساعاً، فتصير لململة الأزرار جزءا أصيلا من روتين يومي كريه. وفي الليلة الماضية تسلست الأزرار إلى أحلامي طوال الليل، ولكنها كانت تملك أفواهاً وأيد، أصر بعضها على أن يشدني من شعري، والصغيرة منها كانت تستلقي تحت قدمي كل تحركت، وحين نفضت ثوبي منها طارت في الهواء، تسلقت طاولة الطعام مبتعدة عنها أخذت الأزرار تقضم أقدام الطاولة الخشبية. لم أصح إلا على نغمة منبه الهاتف، قررت حينها أن أترك المكان للأزرار، وأقف خارجا تاركة لها كل شيء !
