
مقال 3 دقائق للقراءة
جَدَلِيَّةُ التَّخْيِيلِ وَالْحِجَاجِ فِي الشِّعْرِالعربي القديم .
تُقدّم المقالة مقاربة تداولية تُحلل التمازج البنيوي بين جماليات التخييل وآليات الحجاج اللغوي في معلقة امرئ القيس. وتستند الدراسة إلى نظرية أوزفالد ديكرو لبيان كيف تتحول الصورة الشِّعرية إلى قوة إقناعي
بقلم عائشة امجيبل
الْمُلَخَّصُ (Abstract)
تَرُومُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ اسْتِجْلَاءَ التَّمَازُجِ الْبِنْيَوِيِّ بَيْنَ الطَّاقَةِ التَّخْيِيلِيَّةِ وَالْوَظِيفَةِ الْحِجَاجِيَّةِ الإِقْنَاعِيَّةِ فِي عُيُونِ الشِّعْرِ الْجَاهِلِيِّ، بِاتِّخَاذِ مُعَلَّقَةِ امْرِئِ الْقَيْسِ "قِفَا نَبْكِ" أُنْمُوذَجاً تَطْبِيقِيّاً. وَتَعْتَمِدُ الدِّرَاسَةُ عَلَى جِهَازٍ مَفَاهِيمِيٍّ مُسْتَمَدٍّ مِنْ نَظَرِيَّةِ "الْحِجَاجِ فِي اللُّغَةِ" (L'argumentation dans la langue) لِلِّسَانِيِّ الْفَرَنْسِيِّ أُوزْفَالْد دِيكْرُو (Oswald Ducrot)، مَعَ التَّرْكِيزِ عَلَى آ لِيَّاتِ السُّلَّمِ الْحِجَاجِيِّ وَالْعَوَامِلِ وَالرَّوَابِطِ اللِّسَانِيَّةِ. وَقَدْ خَلَصَ الْبَحْثُ إِلَى أَنَّ الِانْزِيَاحَاتِ التَّخْيِيلِيَّةَ وَالْمَجَازَاتِ الْبَادِخَةَ فِي الْمُعَلَّقَةِ (كَوَصْفِ اللَّيْلِ وَالْخَيْلِ وَاسْتِحْضَارِ الدِّيَارِ) لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ حِلْيَةٍ جَمَالِيَّةٍ، بَلْ شَكَّلَتْ مَوَاجِهَ لِسَانِيَّةً مُوَجَّهَةً بِدِقَّةٍ لِتَعْدِيلِ مَوْقِفِ الْمُتَلَقِّي وَإِلْزَامِهِ مَنْطِقِيّاً بِالرُّؤْيَةِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ لِلشَّاعِرِ.
- الْكَلِمَاتُ الْمِفْتَاحِيَّة: التَّخْيِيلُ؛ الْحِجَاجُ اللُّغَوِيُّ؛ أُوزْفَالْد دِيكْرُو؛ امْرُؤُ الْقَيْسِ؛ قِفَا نَبْكِ؛ التَّدَاوُلِيَّةُ.
مُقَدِّمَةٌ
ظَلَّتِ النَّظَرِيَّاتُ النَّقْدِيَّةُ التَّقْلِيدِيَّةُ تَفْصِلُ بَيْنَ الشِّعْرِ بِوَصْفِهِ مَدَاراً لِلتَّخْيِيلِ وَالْمَجَازِ، وَبَيْنَ الْحِجَاجِ بِوَصْفِهِ آلِيَّةً عَقْلَانِيَّةً تَنْحَصِرُ فِي الْخِطَابَاتِ النَّثْرِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ الطَّفْرَةَ التَّدَاوُلِيَّةَ الْحَدِيثَةَ، وَخَاصَّةً مَعَ أُوزْفَالْد دِيكْرُو، أَعَادَتِ الِاعْتِبَارَ لِلُّغَةِ ذَاتِهَا بِبَيَانِ أَنَّ الْحِجَاجَ خَاصِّيَّةٌ مُحَايِثَةٌ لِلْبِنْيَةِ اللِّسَانِيَّةِ. يَتَقَاطَعُ فِي هَذَا الْبَحْثِ جَمَالُ التَّخْيِيلِ الشِّعْرِيِّ فِي مُعَلَّقَةِ أَمِيرِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، امْرِئِ الْقَيْسِ، مَعَ الصَّرَامَةِ الإِقْنَاعِيَّةِ لِلأَدَوَاتِ الدِّيكْرَوِيَّةِ، لِكَشْفِ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الِاسْتِعَارَةُ عِنْدَ طَلَبِ الْبُكَاءِ وَوَصْفِ اللَّيْلِ إِلَى "حُجَّةٍ لِسَانِيَّةٍ" مَشْحُونَةٍ بِقُوَّةِ التَّأْثِيرِ.
- الإِطَارُ النَّظَرِيُّ: لِسَانِيَّاتُ الْحِجَاجِ عِنْدَ دِيكْرُو
يَرُوحُ دِيكْرُو إِلَى أَنَّ الْقِيمَةَ الْحِجَاجِيَّةَ لِلْقَوْلِ لَا تَنْبَعُ مِنْ مَضْمُونِهِ الإِخْبَارِيِّ الصِّدْقِيِّ، بَلْ مِنْ بِنْيَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ التَّوْجِيهِيَّةِ. وَقَدْ صَاغَ لِذَلِكَ عِدَّةَ أَدَوَاتٍ لِسَانِيَّةٍ نَعْتَمِدُهَا فِي التَّحْلِيلِ:
- الْعَوَامِلُ الْحِجَاجِيَّةُ (Modificateurs): تَقْيِيدَاتٌ دَاخِلَ الْبِنْيَةِ تُوَجِّهُ الْقَوْلَ وِجْهَةً مَحْدُودَةً.
- الرَّوَابِطُ الْحِجَاجِيَّةُ (Opérateurs): أَدَوَاتٌ تَرْبِطُ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالنَّتِيجَةِ مُعَدِّلَةً لِقُوَّتِهِ الْإِقْنَاعِيَّةِ (مِثْلَ: بَلْ، لَكِنْ، حَتَّى).
- السُّلَّمُ الْحِجَاجِيُّ (Échelle argumentative): تَرْتِيبُ الْفَوَاعِلِ أَوْ الْحُجَجِ لِسَانِيّاً مِنْ الأَضْعَفِ إِلَى الأَقْوَى لِخِدْمَةِ نَتِيجَةٍ وَاحِدَةٍ.
- حِجَاجِيَّةُ التَّخْيِيلِ فِي الْمَطْلَعِ الطَّلَلِيِّ (الِاسْتِدْعَاءُ وَالأَمْرُ الضِّمْنِيُّ)
يَفْتَتِحُ امْرُؤُ الْقَيْسِ طِلْسَمَهُ الشِّعْرِيَّ بِأَمْرٍ تَخْيِيلِيٍّ مَثْنِيٍّ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ ... بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
إِنَّ صِيغَةَ الأَمْرِ "قِفَا" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَلَبٍ فِعْلِيٍّ لِلْوُقُوفِ، بَلْ هِيَ عَامِلٌ حِجَاجِيٌّ تَدَاوُلِيٌّ يُؤَسِّسُ لِنَتِيجَةٍ حَتْمِيَّةٍ هِيَ شَرْعِيَّةُ الْبُكَاءِ (نَبْكِ). رَبْطُ الْبُكَاءِ بِـ "مِنْ ذِكْرَى" يَعْمَلُ كَرَابِطٍ تَعْلِيلِيٍّ يُلْزِمُ الْمُخَاطَبَ (الْمُثَنَّى التَّخْيِيلِيَّ) مَنْطِقِيّاً بِالْمُشَارَكَةِ الْوِجْدَانِيَّةِ. التَّحْدِيدُ الْجُغْرَافِيُّ الصَّارِمُ (بِسِقْطِ اللِّوَى... الدَّخُولِ... حَوْمَلِ) يُحَوِّلُ الْفَضَاءَ التَّخْيِيلِيَّ إِلَى حُجَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ تُثَبِّتُ صِدْقِيَّةَ الْفَاجِعَةِ النَّفْسِيَّةِ، مِمَّا يَمْنَعُ الْمُتَلَقِّيَ مِنْ دَفْعِ هَذَا الأَلَمِ أَوْ تَرْكِهِ.
- السُّلَّمُ الْحِجَاجِيُّ فِي لَيْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
يَبْنِي الشَّاعِرُ صُورَةَ اللَّيْلِ بَاحِثاً عَنْ مُطْلَقٍ حِجَاجِيٍّ يَعْكِسُ أَبَدِيَّةَ مُعَانَاتِهِ، حَيْثُ يَقُولُ:
فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وَأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي ... بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
يَتَحَرَّكُ النَّصُّ هُنَا وِفْقَ سُلَّمٍ حِجَاجِيٍّ تَصَاعُدِيٍّ لِتَعْظِيمِ هَوْلِ اللَّيْلِ:
- الْحُجَّةُ ( أ ): اللَّيْلُ يَتَمَطَّى بِصُلْبِهِ (بِدَايَةُ الثِّقَلِ).
- الْحُجَّةُ ( ب ): أَرْدَفَ أَعْجَازاً (تَرَاكُمُ الْهُمُومِ).
- الْحُجَّةُ ( ج ) [الأَقْوَى]: نَاءَ بِكَلْكَلِ (الْجُثُومُ التَّامُّ وَالِاخْتِنَاقُ).
ثُمَّ يَأْتِي الِانْزِيَاحُ التَّخْيِيلِيُّ الأَعْظَمُ حِينَمَا يَنْفِي أَمْثَلِيَّةَ الصُّبْحِ بِأَدَاةِ النَّفْيِ وَعَامِلِ الْقَصْرِ "وَمَا... بِأَمْثَلِ"، وَهُوَ تَوْظِيفٌ صَرِيحٌ لِمَا يُسَمِّيهِ دِيكْرُو بِالْقَلْبِ الْحِجَاجِيِّ؛ فَالشَّاعِرُ يَطْلُبُ الِانْجِلَاءَ، لَكِنَّهُ يُوجِّه الخطَابَ لِسَانِيّاً نَحْوَ نَتِيجَةٍ وُجُودِيَّةٍ مَفَادُهَا أَنَّ الزَّمَنَ كُلَّهُ صَارَ سِجْناً مُظْلِماً، سَوَاءٌ أَكَانَ لَيْلاً أَمْ صُبْحاً.
خَاتِمَةٌ
آلَتِ الدِّرَاسَةُ إِلَى أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ فِي مُعَلَّقَتِهِ قَدْ طَوَّعَ التَّخْيِيلَ الشِّعْرِيَّ لِيَكُونَ عَيْنَ الْحِجَاجِ اللِّسَانِيِّ. وَقَدْ أَتَاحَ لَنَا تَطْبِيقُ أَدَوَاتِ أُوزْفَالْد دِيكْرُو تَدْبِيرَ الْقَوْلِ الشِّعْرِيِّ بِوَصْفِهِ خِطَاباً مَشْحُوناً بِأَدَوَاتِ الإِلْزَامِ، لَا تَقِفُ فِيهِ الِاسْتِعَارَاتُ عِنْدَ حُدُودِ التَّزْيِينِ، بَلْ تَتَعَدَّاهُ إِلَى تَوْجِيهِ الْمَوَاقِفِ وَبِنَاءِ الْمَعَانِي بَيْنَ الْبِنْيَةِ النَّحْوِيَّةِ وَالْمَقْصِدِيَّةِ الإِقْنَاعِيَّةِ.
الْمَرَاجِعُ (References)
- امْرُؤُ الْقَيْسِ، الدِّيوَانُ، تَحْقِيقُ مُصْطَفَى عَبْدِ الشَّافِي، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتَ.
- دِيكْرُو، أُوزْفَالْد (1980)، الْحِجَاجُ فِي اللُّغَةِ (L'argumentation dans la langue)، بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ جَانْ كْلُود أَنْسْكُومْبْر، مَنْشُورَاتِ مَارْدَاغَا.
- الْعَزَّاوِي، أَبُو بَكْرٍ (2006)، الْحِجَاجُ فِي اللُّغَةِ: تَعْرِيفَاتٌ وَنَمَاذِجُ، مَطْبَعَةُ النَّجَاحِ الْجَدِيدَةِ، الدَّارُ الْبَيْضَاءُ.
