
مقال دقيقتان للقراءة
ذكرى جدتي
عن جدتي (جويرية) رضيَ الله عنها وأرضاها، والتي تغيب عنا منذ أكثر من عشرين سنة،
حبيبتي، تعلمين أني أحبك كثيراً، أعرف أنني لم أخبركِ بذلك ولكن لا بأس لقد رحلتِ وأنا ابن عشرٍ فقط وتعلمين ما في المجتمع من سرديات مقيتة تفرض نفسها على ضعاف المناعة الثقافية والحياتية،
حسناً، الآن سأخبركِ كل شيء، هل نبدأ؟
أنا أحبك وجدي يحبك كثيراً وأبي يحبك أكثر، هذا الأخير يشع كلما ذكر اسمك، والعائلة كلها تحبك بل والقرية أيضاً، صغيرك محمد يحيى(أنا) -والذي سميَ بهذا الإسم لرؤيا رأيتِها أنتِ، كما أخبرني أبي- هاجر قبل عام مُفتشاً عن وطنٍ يليق بخيباته وامرأةٍ تليق بخطيئته، إلا أنه لم يعثر عليهما بعد،
كل أبنائِكِ وبناتكِ -بل وبعض أحفادك- عُباد (هكذا أحسبهم والله حسيبهم)
لقد ورِث الجميع مِنكِ قيام الليل، إلا أنا
فأنا أسهر بعضه على القراءة أو الكتابة وأنام بعضه الآخر،
مضت سنوات يا حبيبتي، الجميع بخير إلا أنا فأنا غريب على هذا العالم أو هكذا أرى، أهالي قريتنا الصغيرة (كفروني) عدة مرات في السنوات الثلاث الأخيرة، وأنا لستُ غاضباً منهم، فأنا أذكر كم كنتِ تحبينَ الجميع وتأمريننا بذلك،
يقولون بأني غريب الأطوار، يقصدون أني مختلفٌ ولا أشبه أهل القرية، يُريدونني أن أكون مثلهم، وأنا أريد أن أكون نفسي،
لقد أصبح لديكِ أحفادٌ جدد، جميعهم جميلون، آخر الأخبار هو لحاق جدي بك "قبل ثمان سنين"، لا شك أنكما الآن تعيشان الحب كما يجب هناك في عالم اللاهوت والملكوت
لقد كان جدي دائم التوق للأعلى شأنكِ تماما، أذكر أنه نعاكِ بعد رحيلكِ في مسجد القرية، وكان الفقد يُرعد ويُبرق من كلماته، كل الحاضرين اشتموا ذلك من صدى صوته،
قبل أن أنسى، (السدرة)
"سِدرتكِ" التي غرستِ، تذكرينها؟
لقد أثمرت منذ أعوام عدة وكل أهل القرية يأكلون منها بدون حساب،
أليس هذا ما كنتِ تريدينه؟
بقيت تفاصيل صغيرة سأخبركِ بها في لقاءِنا القادم في الجنة،
الجنة... لا شك أنكِ ستشفعين فيَ حتى أجاوركِ هناك،
أليس كذلك؟
آهٍ يا جدتي، اليوم أعي كم كان رحيلك خسارةً لنا، كان خسارةً فادحة.
