
مقال 8 دقائق للقراءة
لماذا نُصاب بالهوس العاطفي؟
حين يوقظ الآخر جرحاً لانراه
يحدث أن يدخل شخصٌ ما حياتنا كما لو كان خيطاً من الضوء يمسّ مكاناً غافياً كان ينتظر اللمسة التي توقظه. يدخل بلا ضجيج، لكن أثره يشبه ارتجافاً في طبقات بعيدة داخل النفس، طبقات لم نزرها منذ زمن، أو ربما لم ندرك أنها موجودة أصلاً. وفجأة نجد أنفسنا ننجذب بلا سبب ظاهر، نتحرك نحوه بقوة لا تليق بوعينا، ونفكر به كما لو كانت الفكرة قادمة من مكان آخر، لا من رغبة واعية. ومع الوقت، يتحول هذا الحضور إلى ما هو أكثر حدّة: إلى هوس. ليس الهوس الذي نراه في القصص أو المبالغات، بل الهوس الصامت الذي يلتهم الوقت والخيال، الهوس الذي يلتفّ حول الأعصاب كما لو كان ينبض من تلقاء نفسه، الهوس الذي يجعل من شخص واحد مركز الجاذبية لكل ما في الحياة، حتى نُفاجأ بأننا نعيش حياتنا اليومية بينما فكرنا معلّق به، نبحث عن إشارة، عن كلمة، عن علامة، عن أي شيء يؤكد أن ما نشعر به ليس وهماً. هذا الهوس ليس ضعفاً نفسياً، ولا رومانسية زائدة، بل هو حدث عصبي–عاطفي له جذوره العميقة، جذور تمتد إلى الطفولة وإلى طريقة تشكل التعلق في الدماغ وإلى الطريقة التي تربط فيها النفس بين الأمان والحب، بين الحضور والنجاة، بين القرب والهوية.
إنّ الهوس العاطفي لا يبدأ من الحب، بل من الخوف. ليس الخوف الظاهر، بل الخوف المزمن المختبئ تحت الوعي، الخوف الذي تكوّن حين تعلم الطفل أن الحب لا يأتي دائماً، وأن الحضور قد يكون مؤقتاً، وأن الأمان قد يختفي فجأة، وأن الحاجة الطبيعية للقرب قد تُقابل بصمت أو برفض أو بغياب. هذا الخوف القديم يظلّ في الجهاز العصبي، كتيار خافت ينتظر اللحظة المناسبة ليظهر، وحين يأتي الشخص الذي يحمل الصفات الدقيقة التي تطابق أمواج هذا الخوف، يبدأ الهوس. ليس لأنه هو الشخص المثالي، بل لأنه الشخص الذي يوقظ الاضطراب القديم. في تلك اللحظة، يُعاد تشغيل النظام العصبي الذي كان في طفولتنا يبحث عن الأمان ولا يجده. فجأة، يعود الجسم إلى وضعية “المراقبة”، تلك الوضعية التي تجعل الخطأ البسيط علامة، والغياب القصير إنذاراً، والصمت تهديداً، والحضور إدماناً، والتفاعل — إذا حدث — شحنة تثبت أننا ما زلنا على قيد الحب.
وفي أعماق الدماغ، تحدث سلسلة من التفاعلات التي تصنع هذا الهوس. فالدوبامين يرتفع بطريقة تشبه الإدمان تماماً، ليس لأن الشخص مميز، بل لأن كل مرة نحصل فيها على استجابة منه — رسالة، نظرة، اهتمام، كلمة — يحدث انفجار صغير في مراكز المكافأة، انفجار يقول: “ها هو الأمان الذي فقدتُه يعود.” وكلما كانت الاستجابة غير منتظمة، كلما زادت قوة الدوبامين. وهذا هو السرّ الأخطر: إنّ الدماغ لا يدمن العلاقات المستقرة، بل يدمن العلاقات غير المتوقعة، تلك التي تقوم على حضور غير ثابت، تلك التي تربط المكافأة بالانتظار، بالقلق، بالترقب، بالمسافة التي لا تُحسم. وكل علاقة يكون فيها الآخر غير واضح، غير ثابت، غير مشبع بالكامل، تصبح بيئة مثالية لارتفاع الدوبامين. وهكذا يتحول الشخص إلى “مُثير عصبي”، لا إلى حبيب. يتحول إلى نقطة مركزية تشعل الجهاز الحوفي، وتستدعي الذاكرة العاطفية التي تعلمت أن الحب يحتاج إلى مطاردة، لا إلى استقبال.
ومع الأيام، يصبح الهوس دائرة مغلقة: تفكير يؤدي إلى قلق، قلق يؤدي إلى مراقبة، مراقبة تؤدي إلى توقع، توقع يؤدي إلى مجازفة، مجازفة تؤدي إلى خيبة، خيبة تؤدي إلى رغبة أكبر في التفسير، والرغبة في التفسير تؤدي إلى دورات جديدة من التفكير. كل هذا يحدث دون أن نشعر أننا فقدنا السيطرة، لأن الهوس العاطفي لا يظهر كنوبة، بل كإيقاع داخلي بطيء، ثابت، ينمو في الظل. وهنا تبدأ الهوية بالتورط: النفس التي تعاني من فجوة في الأمان تنسب قيمتها الداخلية إلى استجابة شخص آخر. وهنا يصبح الشخص ليس مجرد إنسان، بل “مرآة”. وبقدر ما كانت الطفولة مليئة بالبحث عن الحب، بقدر ما تصبح هذه المرآة ضرورةً، لا اختياراً.
لكن الهوس لا يتكون من الخوف وحده، بل يزداد قوة عندما يمتزج الخوف بالأمل. الأمل الذي يجعلنا نرى في الشخص ما يمكن أن يصلح جرحاً لم نعالجه. نعتقد أنه إذا أحبّنا، فإن شيئاً في داخلنا سيُشفى. وهذا الاعتقاد ماهو إلا اعتقاد عصبي شديد الخطورة، لأنه يعيد دمج الشخص مع الذاكرة القديمة. فنحن لا نريد الشخص لذاته، بل نريده لأنه يمثل “فرصة” لإعادة كتابة قصة قديمة. والجهاز العصبي يحبّ إعادة القصص غير المكتملة، يحب أن يعود إلى الجرح الأول ليعيد بناء نهايته، لكنّه وللأسف يختار الأشخاص الذين يعيدون القصة كما هي. ليس لأننا نحب المعاناة، بل لأن الدماغ ينجذب للمألوف، حتى لو كان المألوف مؤلماً. فيصبح الهوس ليس حباً لهذا الشخص، بل ارتباطاً غير واعي بما يمثّله: نسخة من الماضي الذي نحاول إصلاحه عبره.

وفي العمق، نجد شيئاً آخر: نجد الخيال. فالخيال يلعب دوراً هائلاً في صناعة الهوس. فالشخص الذي ننجذب إليه يصبح شاشة نعرض عليها كل ما لم نملكه يوماً: القرب المثالي، الحنان الذي لم نحصل عليه، الاعتراف الذي افتقدناه، الحضور الذي وعدنا به أحد ولم يحققه. نخلق نسخة موازية منه، نسخة أنقى من الحقيقة، نسخة تحبّنا كما أردنا أن يُحبّنا أحد، نسخة تمتدّ فيها يد لا تمتدّ في الواقع. ومع الوقت، يصبح الخيال هو أصل الهوس، وليس الشخص ذاته. وهنا نفقد القدرة على رؤية الواقع، ونعيش داخل صورة خلقناها، صورة تُسكِت خوفاً داخلياً ولا تُشبع حاجة حقيقية. ولهذا يكون الهوس مؤلماً: ليس لأنه حب، بل لأنه حالة فقدان للنفس نعيشها داخل وهمٍ صنعناه نحن.
ومع الوقت، يتغلغل الهوس داخل الشعور بالهوية. نبدأ بتعريف أنفسنا عبر رغبة شخص آخر، عبر قبوله أو رفضه، عبر إشاراته الصغيرة. ترتبط كرامتنا بوجوده، وثقتنا بكلمته، وهدوؤنا برسالته، ونومنا واستيقاظنا بصوته. يصبح كل شيء متعلقاً به، كما لو كانت حياته هي مفتاح خلاصنا. وهذا الارتباط ليس حباً، بل اعتمادية عصبية. الجهاز العصبي الذي لم يجد في طفولته مرساة ثابتة، يبحث اليوم عن مرساة جديدة، ويرى فيها الخلاص، ويجمع حولها كل آليات النجاة القديمة. وهكذا يصبح الهوس نظاماً دفاعياً، وليس نظاماً عاطفياً كما يراه البعض. دفاعاً عن ماذا؟ عن الفراغ الداخلي الذي لم نجد له يوماً تسمية، ولا اعترافاً، ولا علاجاً.
لكنّ الأهم من كل هذا، أنّ الهوس العاطفي هو صراع بين طبقتين في الإنسان: طبقة الوعي التي تريد أن تكون متزنة، عاقلة، واضحة، حرة؛ وطبقة الجسد التي تحمل ذاكرة الخوف، ذاكرة الحاجة، ذاكرة الهجر. والطبقة الثانية أقوى، لأنها أقدم. ولهذا، يعجز الوعي عن السيطرة، لأن الجهاز الحوفي — المسؤول عن العاطفة — يتفوق على القشرة الدماغية — المسؤولة عن التفكير — في سرعة القرار. فالعاطفة لا تنتظر العقل، ولا تستأذنه، بل تتحرك بعنف، وتطلب من العقل أن يبرّرها. وهنا يصبح الدماغ خادماً للهوس لا حاكماً له. يبرّر، يفسر، يختلق قصصاً، يصنع احتمالات، يدافع، ويبحث عن أي معنى يثبت أن الشعور منطقي. ولكن الهوس ليس منطقياً، بل عصبيّاً. والآن، في أعمق مكان، نجد جذور الهوس الحقيقية: الخوف من أن لا نُختار. لأنّ الإنسان — منذ طفولته — يربط قيمته بأن يُختار، أن يكون مرغوباً، أن يكون محبوباً من قبل أحد، أن يسمع صوته الداخلي يقول له: أنت تستحق. وهذا الصوت لا يأتي من الذات بل من الآخر. والهوس محاولة خفية لجعل الآخر يقول لنا تلك الجملة التي لم نسمعها يوماً. فإذا قالها، اختفى الهوس. ليس لأننا ارتوينا، بل لأن الجهاز العصبي شعر أنه لم يعد في خطر. وإن لم يقلها، ازداد الهوس، لأن الخطر لم يُرفع. وهذا التناقض هو ما يجعل الهوس سجناً: إننا لا نحتاج للشخص، بل نحتاج لصوته الذي يثبت أننا لا نعيش بلا قيمة. وكلما شعرنا أن قيمتنا مهددة، التزم الجهاز العصبي بحماية نفسه عبر التشبث الشديد، الذي يبدو كحب، لكنه في الحقيقة خوف. ولكن الهوس — مهما بدا قوياً — هو ليس قدراً. لأنه في اللحظة التي نرى فيها أنه ليس حباً، بل ذاكرة، وليس رغبة، بل خوفاً، وليس اختياراً، بل تكراراً، يبدأ التفكك. يبدأ الجهاز العصبي يميّز بين “هذا الشخص” و“ذلك الماضي”. وبمجرد أن يحدث الفصل بين الاثنين، تتغير قوة الهوس. ليس لأنه يختفي فجأة، بل لأن وهجه يفقد تأثيره. وهنا تبدأ العودة إلى الذات: الذات التي لم تدرك أنها كانت تبحث في الآخر عن شيء لا يمكن أن يمنحه أحد، الذات التي لم تعرف أنها كانت تركض خلف ظل قديم، لا خلف إنسان حاضر.
وفي اللحظة التي تعود فيها النفس إلى ذاتها، تخفت الأصوات العالية، يتراجع القلق، يتساقط الوهم، ويتحرر القلب من معركة ليست معركة حب، بل معركة نجاة. حينها يصبح الحب الحقيقي ممكناً: الحب الذي لا يُبنى على خوف، ولا يبحث عن خلاص، ولا يقاتل من أجل مرآة، ولا يتشبث بظل، بل يقترب بهدوء، ويُرى بهدوء، ويترك مسافة كافية ليكون الإنسان إنساناً، لا مشروعاً لإنقاذ الماضي. هذا هو الهوس العاطفي: ليس قصة رومانسية، بل قصة بقاء. ليس ضعفاً، بل أثراً. ليس اختياراً، بل ذاكرة. وليس قدراً، بل شيء يمكن تفكيكه، حين نعرف أنّ الشخص الذي نطارده لم يكن يوماً الغاية، بل كان الباب الذي فتح لنا طريق العودة إلى أعمق مكان في الذات: المكان الذي لم يُشفَ بعد.
#
- منقول بتصرف
- د.ع.م
- مدونة إقرأ
