هلوسة الموت
هل جربت يوما أن تشعر وكأن لم يبق لك في هذه الحياة سوى ايام معدودة قبل أن ترحل عن هذه الدنيا. سبقني هذا الشعور يوم أخبرني الطبيب بضرورة إجراء عملية جراحية على مستوى الأذن كانت تلك المرة الأولى التي أقف فيها وجها لوجه أمام شعور أخافني،فما إن سمعت كلماته حتى أحسست كأنها صفعة أيقظت في داخلي خوفا رهيبا لم أعرفه من قبل وانهمرت دموعي دون استئذان وخيل إليّ أنني ذاهبة إلى طاولة قد حدد عندها أجلي .
قبل يوم العملية سافرت إلى مدينة الرباط. دخلت مستشفى الشيخ زيد ، وأتممت إجراءات التسجيل، ثم خُصصت لي غرفة خاصة.
كنت أدعو الله أن يأتي الغد مسرعًا، وأنا أعدّ الساعات والثواني، وكأنها وحش ينهشني حل الليل وجدتني مستيقظة لم أستطع النوم؛ بقيت أقرأ القرآن وأصلي، إلى أن سمعت طرقًا على الباب.
دخلت الممرضة، وأخبرتني أنه لا بد من إطفاء الضوء لأرتاح استعدادًا للصباح الباكر. أذعنت لطلبها، وأنا أحدث نفسي: من أين سيأتيني النوم؟ فأنا من يعاني، لا أنتِ!
وضعت رأسي على الوسادة، واستجديت النوم أن يأتيني، لكنه أبى. تقلبت مرارًا، وكأنني في صراع بين النوم والخوف الذي استبدّ بي، حتى
استحوذت فكرة الموت عليّ تمامًا. تخيلت نفسي ممددة على طاولة العمليات، وأنا أفارق الحياة استعنت بالله بدأت أردد الدعاء "يا رب، وإن كنت مقصرة في عبادتك، فارحمني برحمتك التي وسعت كل شيء".
حاولت أن أستمتع بالغرفة قدر المستطاع، وكأنني أراها للمرة الأولى. كنت أنظر إلى التلفاز، وعيناي شاخصتان إلى مكان لا يعلمه إلا الله. لا أدري كم بقيت على تلك الحال، إلى أن أغمضت عينيّ قليلًا، ولا أعرف إن كنت قد نمت فعلًا .
سمعت أذان الفجر، فنهضت وتوضأت وصليت، ثم قرأت القرآن ووردي المعتاد، وكأنه آخر عمل أقوم به في حياتي.
بعد وقت وجيز، سمعت طرقًا على الباب، وانفتح في اللحظة نفسها. دخلت الممرضة وطلبت مني أن أستعد لتغيير ملابسي وارتداء الوزرة الخاصة بالعمليات التي أحضرتها معها.
وما إن انتهيت حتى دخل الممرض ، وفي يده مستلزمات الحلاقة. طلب مني أن أجلس بالقرب منه، وأخبرني أن العملية ستُجرى في الأذن، لكن لا بد من قص الشعر المحيط من تلك الجهة.
في تلك اللحظة، لم أتمالك نفسي؛ فاضت عيناي بالدموع وكأن كل ذاك الخوف الذي كنت احاول ان أخفيه وجد منفذا ليتسرب .
طمأنني قائلًا إن الأمر روتيني، و لا داعي للخوف فالمكان الذي سيقص منه الشعر حيز صغير جدا ، ثم أوضح أن البروفيسور هو من طلب قص الشعر، ويعتبر عادي جدًا، مضيفًا أن شعري سيصبح أطول بكثير مما هو عليه الآن.
وما ان سمعته حتى ضحكت كأنني طفلة صغيرة فتلك الكلمة العابرة انتشلتني مما كنت أحمله
وحين انتهى من عمله توجهوا بي إلى غرفة العمليات. أخذت أتأمل المكان: أضواء مشتعلة، أطباء وممرضون يتحركون هنا وهناك، وكأن الغرفة خلية نحل، كل واحد فيها يقوم بمهمته.
وفي لحظة، وضعوا القناع على وجهي وطلبوا مني أن أستنشق من خلاله ، فكانت آخر كلماتي:
«لا إله إلا الله، محمد رسول الله».
ثم غبت عن الوعي.
لم أكن أدري كم مر من الوقت ولم أشعر بشيء، كانني نائمة إلى أن أحسست بالممرضة تربّت على وجهي، وهي تناديني:
«سكينة، استيقظي».
فتحت عينيّ، وأخذت أتساءل في نفسي: هل أنا هنا حقًا؟ فقد كنت مشوشة جدًا. وبينما كنت أحاول استيعاب ما حولي، سمعت الممرضة تخبرني أن أهلي ينتظرونني في الخارج بقلق.
11