فصة قصيرة ( معزوفة العبيد )
<<<< قصة قصيرة بقلمي ..
..............................................................
معزوفة العبيد
................................................................
بركضٍ متواصلٍ وعنيف, أُثيرت الحصى من تحت أقدامهم فتطايرت مع الأتربة, وأدخنة المدافع تعوي حول المشهد, وهم ثلاثة يفرون من الزحام فرار المتسول من سوق الخردة, كأنهم يهربون إلى الأمام أو يُهاجمون إلى الوراء, والكل مُكترثٌ ومُتورطٌ بذاته في هذه اللحظات العصيبة.
في النهاية توارى الثلاثة في تجويفٍ سُفلي لصخرة ضخمة حولها نتوءات مُتعرجة لقوالب صخرية أخرى, مما يجعلهم الآن يقبعون فيما يُشبه الكهف ذو الفتحة مُعينة الشكل والتي بدورها تسمح عبور مجال ضوئي من خلالها.
تخرزت ظهورهم والجدار الصخري من خلفهم, وكأنهم يُريدون الفرار من الفرار, دونما ميعادٍ مُسبق ودونما النظر ببعضهم البعض, مكث الثلاثة ما يُقارب العشرة دقائق دون حراك, حتى التفاتة يسيره إلى الجانب لم تحدث من أي منهم.
بدأ الصراخ والضجيج الفوضوي في الخارج يخفت ويتباعد ما جعل الجرأة والفضول تزحف لأبدانهم الآن, فأخذت الرقابُ في الالتفات ببطء, ساعياً كل شخص منهم أن يتعرف على الجبانين الفارين من أرض المعركة, وبالتزامن مع ذلك تمسكت أيدي كل منهم بالبندقية المُلقاة في حجره.
بينما كان المكان مُعتم وقاس, ورائحة الأتربة الجافة تحسم الصراع داخل الأنوف، استطاعت الأشعة القادمة من قُرص الشمس أن تعبر من خلال فوهة هذا القبو الصخري, فتقدمت كمية كافية من الاضاءة تسمح لكلٍ منهم التعرف على الاثنين الآخرين.
أحدهم كان سودانياً في الثامنة عشر من عمره لم يزل يعرف التفاصيل الدقيقة للبشرة السوداء. كان الرجالُ والصبية الذين يسكنون قريته لا يستهويهم سوى ارتداء الملابس البيضاء, لم يعترفوا يوماً بقواعد التقسيم, تلك القرية القابعة في الأرياف السودانية تعلمت نساءها حرفنة الجمال خلف حدود الألوان. وهو الآن يقبض على بندقيته والعرقُ من معصميه وساعديه قد لعق كثيراً من الأتربة السابقة. تجولت عينيه, التي تبرق من شدة البياض, داخل المكان, وبينما ينظر هنا وهناك سقط البصرُ على ذاك الشعر القصير النابتُ من سطح ذراعيه والذي ما أن يشق طبقة الجلد حتى تتهاوى عليه قوة مجهولة تُبالغ في طيِّه وتجعيده, لكنه استقامَ الآن كالمسامير بعد أن رُشت عليه توابلٌ من الطين والتراب المغسول بالعرق, لم يكن منظراً أقل وضاعةً من تلك اللحية القصيرة ذات الشعر المُتفرق والتي حوت أفكار الماضي وترانيم العبيد الذين اختاروا عبوديتهم لصالح كل مَن ظَنَّ أنَّهُ أجاد مهمة الرب. وسائَلَهُ شخصٌ غريبٌ يسكن بين جوارحه أما كان يجدر بك أن تحترم مُحاكاتك لنبيك بهذه اللحية.
أما الثاني فهو سعوديٌ يسن إحدى وعشرين سنة, ربما بدأت أوداجهُ تزحفُ إليه لتُخبره عن لعبة – الفوتبول – على شاشة الحاسوب, أو سهرةٍ صاخبة لم يعشها منذ خمسة أعوام, إذ يجلس على نافذة سيارة حديثة تسير بسرعة مهولة تحوي بداخلها حثالة المجتمع, كما كان يدعوهم والده المحافظ, لكنهم أصدقاءه في النهاية, حين كان يراهم يرغب أن يروه مُمجلِساً العقال فوق طاقيته البيضاء العريضة ورافعاً ثوبه من الأسفل إلى الخاصرة فيظهر سروالهُ ناصع البياض حينها كان يجد ذاته البريئة الحقيقية, بخلاف تلك المُزيفة التي يعيشها ويتلبس بها. همست جوارحه حين تذكر ذاته الأصيلة: " ياه .. ما أروعني وما أروع مظهري" وبين كل ذلك تموضع أمامهُ وجه أمه كمُجسمٍ هولوجرامي, فشاهد فيها صورة حبيبها الوحيد, شاهد فيها صورة لحيته بأتربتها وبسرطانها وبوهجها فشدت أصابع كفه على البندقيةِ مُتألماً لما آل إليه وخائفاً من أن يمت وينتهي من الحياة دون أن يحيا حقيقته, دون أن يعيشهُ.
أما الثالث فهو فلسطينيٌ في الخامسة والعشرين من العمر والذي استطاع القدوم إلى العراق من قطاع غزة بعد عدة أسابيع من الحرب الإسرائيلية الظالمة – 2014 –
كانت الذكرى القليلة التي يحتفظ بها في أروقته, منذ ما قبل المراهقة وحتى ما هو عليه الآن, هي مسجدٌ وصبيةٌ وكتبٌ من القرآن وشيخٌ فقيه أو مُتفيقه, يُعلمهم أصول التجويد والفنون الخلابة في مخارج الأحرف.
وتغدو الأيامُ تنطحها الأيام وتجر خلفها أعواماً عاش بها في أحضان والده المحافظ الذي كان يأخذه معه إلى المسجد في كل مرة حتى عشق المساجد ومجالس الذكر والتلاوة. وفي غضون أشهر لقبوه بحمامة مسجد وحظي برضى أبوي كامل. أما الآن وهو بين أحضانِ الموت تذكر شيئاً كان مُلفتاً في حينه لكنه تجاهله, وهو لا يعلم حقيقةً لماذا اعترته هذه الذكرى وبالذات الآن؛ فيتمتمُ بينه وبين نفسه دون صوت، قائلاً: " إن أخي الصغير سأل والدي: يا أبتي ما معنى قوله " والسماء ذات الحُبك" لم أكن أعرف الإجابة مثل أبي رغم أني وهو نتحفظ سورة الذاريات! نعم, وكأني بدأتُ أدرك الآن لماذا اعترتني تلك الذكرى, إنَّ اللحية نمت بتشجيع أبي الذي عاش أكثر من خمسين عام من عمره لم يعرف فيها معنى كلمة في سورة يقرأها مذ كان صبياً!"
وأنا أعيش لحظات الموت أو القتل، الإبادة أو الضياع أو النجاة، الأسر أو التعذيب أو كليهما، حينها تهاوت على رأسي عشرون ألف حكاية وعشرون ألف صورة، فهمست أو تأوهت خلايا دماغي قائلةً: إنَّ الذين يقبعون خلف مصدر الضوء لا يُمكن أن نراهم! فحين تُسلط الضوء على الأشياء تتشكل نصف الحقيقة، إنَّ كل ما تقوم به حقيقةً هو أنَّك تُريني ما تُريد مني أن أراه, في حين أنك تُخفي وتواري النصف الآخر خلف الضوء, فمهما حدَّقتُ وأمعنتُ النظر لن أرى ما يقبع وراء ضوئك, ولكن لو تخطيت مصدر الإضاءة سأستطيع تلمس ذلك النصف المخفي وسأعرف حجوم الأشياء وشكلها وطبيعة سطحها حتى لو كانت دُست في الظلام, مُجرد وصولي إلى هناك يعني أنني تحررت منك, فحين تمنحني نصف المعرفة وتهيل التُراب على النصف الآخر فأنت تستعبدني, حينما لا تُتيح لي الطريقة للوصول لمصادر المعرفة فأنت تتأله عليَّ, فأنت لا ترُيد إلا أن تجعلني صفراً مُنقاداً ورائك ومُصدقاً لكل ما تفوه به من حماقات. ثم تدعي أنك من الداعين للحرية والتسامح, بل أنت بعملك هذا تقبع في أعلى درجات التحيز والتعصب والاستعباد.
ويُتابع الشاب الفلسطيني مُناجاة نفسه: " وطفلةٌ صغيرة تربيتُ وكبرتُ معها وكبرت معي، والدها شقيقٌ لوالدي, لم تسمح سرية سفري المغوار لقاءها الأخير, ولا أعلم لماذا استأذنتُ منهم لوداعها, قالوا لي الدين والأوطان أهم من الشهوة, لم يكن بمقدوري أن أثبت لهم أنها ليست شهوة, وكيف سيقنعون؟ فالمجاهد لا يجب أن يعشق, الحبُ للنساءِ والمُخنثين, لا أعلم لماذا أدخلتموني في كل تلك الحسابات والدوامات التي يغلب عليها طابع الصغار النفسي بينما كنت أعتقد أنها بطابع ديني ثوري, لم أطلب سوى وداعها من غير حتى أن تعلم بأني سأغادر, تباً لكم ولأوطانكم إن كانت الوطنية لا تتحقق إلا باغتيال إنسانيتنا ومشاعرنا التي أودعها المولى عز وجل في عبيده."
قذيفة قوية دوت في المكان فتزلزلت أرجاء التجويف وترنحوا ثلاثتهم تلسعهم بعض الحصى الصغيرة التي انسلخت من سقف الصخور أعلاهم, وبالرغم من الترنح المزعج إلا أن التأهب والتمسك بالبنادق كان شديداً, فهم كمن يتمسك بحياته بين يديه.
الآن عرف كل منهم الآخر, وأصبحت الأوراق مفضوحة, وأيضاً النهاية شبه محسومة, إما برصاص العدو, وإما برصاص قادتهم كخونة فروا من ساحة الوغى.
إنهم مُتأكدين من هذا السيناريو, خصوصاً وأنهم خسروا معركة اليوم, فبالحري لن تتوانى القيادة عن قتلهم بعد أن تُحملهم سبب الهزيمة كلها كونهم فروا وتركوا مواقعهم. إنهم مُتأكدين لأنهم نفذوا عمليات قتل مُشابهة لهاربين قبل ذلك بإيعاز من قيادتهم, بل ذبحوهم بقطع رقابهم وقطّها بعد سلسلة من الضحك الصاخب والثمالة بفحولتهم حين أمسكوا سكيناً طويلة عريضة حادة لها القدرة على فصل رقبة جاموس بالغ في خمس ثوان, وصوبوها على رقبة رجلٍ مُكبل كثير الحركة والاهتزاز والصياح, ثم ساخوها في أعماق الرقبة فبُعجت الدماء الساخنة مُندلقة باندفاع في كل الأرجاء, فتلى ذلك أصوات التكبير المُنتشي. بل قد يتذكرون أنهم فعلوا هذا الأمر بأناسٍ لا بسبب فرارهم من الميدان, بل لأسباب أتفه بكثير.
خرجت كلمات الشاب السوداني عبر زفيرٍ تبدو عليه المرارة قائلاً: سيقطون رقابنا, لن نُرحم..
وقال السعودي في صوتٍ كاد يحمله على البكاء: أشعر برغبة شديدة في الاستحمام والنوم باسترخاء لأيام.. أريد العودة لبلادي..
نهض الفلسطيني واقفاً وبدأ يتكلم بينما يمشي صوب الفوهة التي يأتي منها الضوء: " لو سلَّمتُ نفسي وقلتما أنكما كنتما تلحقا بي حين شرعتُ بالهروب, سيقتلونني كوني فاراً ولكن ستنجيان أنتما – صَمَتَ قليلاً بعد أن أخذ نفساً عميقاً كان حينها قد وصل بهو الفوهة, وأصبح ظهره - الذي لا يرون سواه- مُظلماً تماماً بسبب الاضاءة النافرة من جانبي جسده- فاستأنف كلامه مُظهراً مرارة وحُرقة: سأسلم نفسي معكما وأنتما قولا أني كنت فاراً وكُنتما تلحقان بي لتسليمي – كانا يستمعان له بحالة من حزن شديد ولم يُلاحظا بأنه وببطء كان يستدير صوبهم بجسده حتى أصبح وجهه مواجهاً لهما, وقد ساعد الظلام, الذي يقبع فيه بفعل الأشعة الخارجة من جانبي بدنه, على عدم ملاحظتهما استدارته- وما أن أصبح يواجههم حتى فتح صنبور بندقيته تجاههما فأرداهما قتيلين فوراً. كان هذا هو الحل الوحيد لتفادي ذبحه وذلك بأن يدَّعي أنهما كانا هما الهاربين وهو الذي كان يُلاحقهما. رفع هاتفه واتصل بالقيادة وأبلغهم بمكانه وبما حدث وفق ادعاءه, وما أن أنهى المكالمة حتى خرَّ على رُكبتيه باكياً والدُخانُ يعبر من خلفه ليخرج من الفوهة مُحملاً برائحة الدماء الساخنة, ثم يتصاعد إلى السماء لحناً مُناسباً لعقبان الجيف, ومعزوفة وطنية للعبيد.
..
أبو فارس معلاوي .. سهل أبو معلا
من مجموعتي القصصية
ساعات من العشق وسنوات من الجنون

4