ثمن الجهل والعادات
كان رجلًا مثقفًا من الريف، يرفض الانغلاق والتقاليد التي تحكم حياة الناس، ويؤمن بأن الإنسان حرّ في اختيار شريك حياته، وأن الزواج لا ينبغي أن يكون محصورًا داخل العائلة أو القرية. غادر قريته إلى المدينة، وعاش فيها سنوات طويلة، ثم أحبّ امرأة جميلة ذات حسن ونسب، وتزوّجها مخالفًا بذلك ما اعتاد عليه أهله.
ففي عائلته، كان الزواج من الأقارب ومن أبناء البيئة نفسها أمرًا مفضّلًا، أما الغريبة، مهما كانت أخلاقها وجمالها ونسبها، فتبقى في نظرهم دخيلة لا تنتمي إليهم. وحين دخلت زوجته بيت العائلة، لم يمنحوها فرصة لتصبح واحدة منهم؛ بل استنكروها لأنها ابنة المدينة، وبدأت المضايقات والاتهامات والكلمات الجارحة تحاصرها من كل جانب.
ومع مرور الأيام، لم يعد الرفض مقتصرًا على الزوجة وحدها، بل امتدّ أثره إلى أطفالها أيضًا. فقد أصبح أولادها يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم داخل العائلة، وكأنهم يحملون ذنب أمهم لمجرد أنها غريبة عنهم. وهكذا وجدت المرأة نفسها غريبة في بيت زوجها، حتى إن أبناءها لم يسلموا من آثار كراهية العائلة لها.
أنجبت المرأة ثلاث بنات، وكانت تتمنى أن تكبر بناتها في بيت يحتضنهن بالحب، لكن العائلة كانت تقدّس الصبيان وتفضّلهم على البنات، وتتعامل مع ولادة كل فتاة وكأنها خيبة جديدة. ثم حملت مرة أخرى، ورزقها الله بتوأم من البنات، لتصبح أمًّا لخمس بنات.
لكن بدلًا من أن يكون ميلاد التوأم مناسبة للفرح، تحوّل إلى بداية أبشع فصول المأساة؛ إذ أقدمت الجدة على قطع الحبل السري للتوأم عمدًا، فظلّتا تنزفان حتى ماتتا. احتضنتهما أمهما باكية، عاجزة عن إنقاذهما، بينما كان قلبها يتمزق أمام جريمة لم يكن ذنبهما فيها سوى أنهما وُلدتا بنتين.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد المرأة كما كانت. فقد خسرت طفلتيها، وعاشت في البيت نفسه مع من تسبّبت في موتهما، ثم استمرّت المضايقات حتى ضاقت بها الحياة. أما زوجها، الذي أحبّها واختارها بنفسه، فظلّ عاجزًا أمام فقره وخوفه من غضب أمه، حتى تسلّل الخلاف إلى زواجهما، وخسر المرأة التي أحبّها يتبع
132