
مقال 4 دقائق للقراءة
حين يصبح الأبناء غرباء في حياة آبائهم بقلمي.. عون البحيصي
مأساة الجفاء الأسري في زمن المصالح والانشغال..
ليس أشد قسوة على قلب الأب من أن يكتشف، بعد سنوات طويلة من التعب والسهر والتضحيات، أنه أصبح شخصا هامشيا في حياة أبنائه، ولا أشد ألما على أم أفنت عمرها في تربيتهم أن تنتظر مكالمة هاتفية تطمئن بها عليهم، فلا يأتيها سوى الصمت، وكأن السنوات التي منحتهم إياها لم تترك في ذاكرتهم ما يستحق السؤال. إنها ليست حكاية عابرة، بل قضية اجتماعية تستحق أن نقف أمامها طويلا. آباء وأمهات كبروا في العمر، وضعفت أجسادهم، وتراجعت قدرتهم على الحركة، لكن حاجتهم إلى أبنائهم لم تتراجع، بل ازدادت مع كل يوم يمر، ومع كل باب يُغلق، ومع كل مناسبة تمر دون زيارة أو سؤال. المؤلم أن بعض الأبناء لا يدركون قيمة وجود الوالدين إلا حين يصبح الوصول إليهما مستحيلا، وحين يتحول الكرسي الفارغ في البيت إلى ذكرى، والصوت الذي كان يملأ المكان إلى حنين لا تعيده المكالمات المتأخرة ولا الدموع التي تأتي بعد فوات الأوان. في زمن تتسع فيه وسائل التواصل، أصبح التواصل الحقيقي أكثر ندرة لدى بعض الأسر. يستطيع الإنسان أن يقضي ساعات طويلة يتنقل بين المنشورات والتعليقات، وأن يتابع أخبار الأصدقاء والمعارف لحظة بلحظة، لكنه لا يجد دقائق يسأل فيها أمه عن صحتها، أو يجلس إلى جوار أبيه ليستمع إلى حكاية قديمة يكررها للمرة العاشرة. فهل أصبحت حياة الآخرين أكثر أهمية من قلوب الذين منحونا الحياة؟ وليس كل ابتعاد عن الوالدين عقوقا بالضرورة، فهناك أبناء يعيشون ظروفا قاسية، أو يواجهون أعباء العمل والغربة وضيق الحال، وهناك أيضا علاقات أسرية تعرض فيها الأبناء للأذى وتحتاج إلى حدود تحميهم. لكن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتحول الانشغال إلى عادة، والاعتذار إلى وسيلة دائمة للتأجيل، وحين يصبح السؤال عن الوالدين واجبا ثقيلا لا ينهض به الإنسان إلا إذا احتاج إلى شيء. إن بر الوالدين ليس صورة ننشرها، ولا عبارة نكتبها في مناسبة، ولا دمعة نستعرضها بعد رحيلهما. إنه سلوك يومي يظهر في السؤال والاهتمام والاحترام، وفي ألا يشعر الأب أو الأم بأنهما عبء على أبنائهما. كم من أم لا تريد من أبنائها مالا ولا هدايا، بل تريد أن تسمع صوت أحدهم قبل أن تنام. وكم من أب لا ينتظر من أولاده أن يحلوا مشكلاته، بل يتمنى أن يشعر بأن تجربته وحكمته ومكانته ما زالت تحظى بالاحترام. إن الوالدين لا يحتاجان دائما إلى من ينفق عليهما، بقدر حاجتهما أحيانا إلى من يشعرهما بأنهما لم يخرجا من دائرة الاهتمام، وأن وجودهما لا يزال يعني شيئا في حياة أبنائهما. ومن المؤسف أن بعض الأسر لا تتذكر قيمة اجتماعها إلا عندما يقع المرض، أو تحل المصيبة، أو يرحل أحد أفرادها. عندها تتسابق كلمات الندم، وتكثر عبارات الوفاء، ويستعيد الجميع مواقف الماضي، لكن الحقيقة التي لا يمكن تغييرها أن بعض الفرص لا تعود، وأن بعض الأبواب حين تُغلق بالموت لا تفتحها ألف أمنية. رسالة إلى كل ابن وابنة: لا تنتظروا مرض آبائكم حتى تتذكروا أرقام هواتفهم، ولا تنتظروا شيخوخة أمهاتكم حتى تدركوا أن أيديهن اللاتي حملنكم صغارا أصبحتا بحاجة إلى من يسندهما. لا تجعلوا الوالدين يتسولان الاهتمام، ولا تدفعوهما إلى إخفاء حزنهما حتى لا يشعرا بأنهما يثقلان عليكم. فالقلب الذي اعتاد أن يمنحكم دون حساب قد يتألم بصمت، لا لأنه توقف عن محبتكم، بل لأنه لم يعد يعرف كيف يطلب محبتكم. وفي المقابل، على الآباء والأمهات أن يدركوا أن بناء علاقة متوازنة مع الأبناء يحتاج إلى الحوار والاحترام، وأن الحب لا يعني السيطرة على حياتهم، كما أن البر لا يعني إلغاء شخصياتهم أو قبول الأذى. فالأسرة السليمة لا تقوم على الخوف أو الإكراه، بل على المودة والرحمة والحقوق المتبادلة. إن المجتمع الذي يترك كبار السن وحيدين، أو يقيس قيمة الإنسان بقدر ما يستطيع تقديمه من مال ومنفعة، مجتمع يحتاج إلى مراجعة عميقة لقيمه قبل أن يحتاج إلى مزيد من الشعارات. فالعائلة ليست مجرد أسماء تجمعها شجرة نسب، بل مسؤولية ووفاء ومواقف تظهر حين تضعف القوة، وتقل الحيلة، ويصبح السؤال الصادق أغلى من كل الهدايا. ويبقى السؤال الذي أطرحه للنقاش: هل تغيرت طبيعة العلاقات الأسرية في زماننا، فأصبح الأبناء أكثر انشغالا وأقل اهتماما بوالديهم، أم أن المشكلة أعمق من ذلك، وتتعلق بطريقة التربية وبناء العلاقة منذ الطفولة؟ وهل ترون أن إهمال الوالدين في شيخوختهما أصبح ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقفة جادة، أم أن لكل أسرة ظروفها التي لا يجوز الحكم عليها من الخار.؟
