«لَمْ أَكْذِبْ يَا مَرْيَمُ حِينَ خَلَفْتُ وَعْدِي»
تَخَطَّتْنِي المركَبةُ رَغْمَ أَنَّنِي وَصَلْتُ فِي المَوْعِدِ المُعْتَادِ لِانْطِلَاقِهَا، وَقَدْ أَصْبَحَ الأَمْرُ عَادِيًّا بِالْنِسْبَةِ لِي، وَلا يكادُ يخرجُ عنْ دَائِرَةِ قَلَقِ المَوَاصَلَاتِ اليَوْمِيَّةِ. التَفَتُّ فَإِذَا بِأَفْوَاجِ المُسَافِرِينَ تَتَوَافَدُ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانًا نَحْوَ مَوَاقِفَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ الوِجْهَةِ؛ كَذَا أَمْرُ الإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ كُلِّهَا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وِجْهَةٍ وَمَحَطَّةٍ ثُمَّ انْتِقَالٍ جَدِيدٍ.
وَبِمُجَرَّدِ مَا انْقَشَعَتْ غَمَامَةُ ازْدِحَامِ المُسَافِرِينَ، وَجَدْتُ نَفْسِي أَمَامَ إِشْرَاقَةِ مَرْيَمَ الصَّغِيرَةِ، الآتِيَةِ مِنْ دَوْلَةِ النِّيجَرِ؛ تَرْتَدِي مَرْيَمُ الحِجَابَ شَأْنُهَا شَأْنُ جَمِيعِ النِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ الوَافِدَاتِ مِنَ الدُّوَلِ الإِفْرِيقِيَّةِ المُجَاوِرَةِ لِلْجَزَائِرِ مِنْ نَاحِيَةِ الجَنُوبِ.
طَلَبَتْ مَرْيَمُ النُّقُودَ، فِيمَا كُنْتُ أَسْأَلُهَا عَنِ اسْمِهَا، وَعَمَّا إِذَا كَانَ لَهَا إِخْوَةٌ، وَعَنْ ظُرُوفِ عَيْشِهَا، وَظَلَّتْ تُلِحُّ فِي الطَّلَبِ. عَرَفْتُ أَنَّهَا وَإِخْوَتَهَا يَبِيتُونَ بِالمَسْجِدِ القَريبِ، حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ أَخْذُ فَاصِلٍ زَمَنِيٍّ لِلرَّاحَةِ مِنْ ذَلِكَ العَمَلِ المُضْنِي، وَالعِنَايَةِ بِنَظَافَتِهِمْ وَتَغْيِيرِ مَلَابِسِهِمْ.
قُلْتُ لِمَرْيَمَ: "الْتَحِقِي بِي فِي المَرْكَبَةِ الآتِيَةِ عِنْدَ وُصُولِهَا لِتَأْخُذِي النُّقُودَ".
بَقِيَتْ مَرْيَمُ قَرِيبَةً، وَفِي غَمْرَةِ الْتِحَاقِي مَعَ الرُّكَّابِ بِمَقَاعِدِنَا وَشُرُودِي عَنْهَا قَلِيلًا، لَاحَظْتُ غِيَابَهَا، وَبَعْدَ قَلِيلٍ أَقْلَعَتِ المَرْكَبَةُ. ظَلَلْتُ أُطِلُّ مِنَ النَّافِذَةِ لَعَلِّي أَرَاهَا، لَكِنْ يَبْدُو أَنَّهَا مَضَتْ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ!
بِالْنِسْبَةِ إِلَيهَا، رُبَّمَا كَانَ الأَمْرُ عَادِيًّا، فَذَلِكَ عَمَلُهَا اليَوْمِيُّ وَقَدْ تَكُونُ حَصَلَتْ عَلَى مَالٍ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. أَمَّا أَنَا، فَفَكَّرْتُ فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ القَلِيلَةِ الَّتِي قَد تَصْنَعُ الفَارِقَ فِي حَيَاتِنَا؛ فَكَأَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ لَنَا مُرْتَبِطٌ بِلَحْظَةِ حُدُوثِهِ بِدِقَّةٍ شَدِيدَةٍ لَا تَتَأَخَّرُ. نَقُولُ للنَّفْسِ: "لَا تَتَأَخَّرِي" حِرْصاً؛ فقَدْ لَا يَتَرَتَّبُ ضَرَرٌ مَلْمُوسٌ فِي التَّأَخُّرِ، وَلَكِنْ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَسَفٌ مَحْسُوسٌ عَنْ تَضْيِيعِ فُرْصَةٍ مَا لِلْعَطَاءِ الجَمِيلِ.

13