
مقال 3 دقائق للقراءة
حين يسبق التصفيق القراءة!
حين يصبح كل منشور إبداعا وكل تعليق تصفيقا نفقد القدرة على التمييز بين المجاملة والرأي الصادق فهل نقرأ لنناقش الأفكار أم لنتبادل المديح؟
تفتح منشورًا عاديًا، وربما لا تجد فيه فكرة جديدة، ثم تنزل إلى التعليقات فتكتشف أنك أمام تحفة أدبية لم تنتبه إلى عظمتها!
«أبدعت يا صديقي»، «كلام من ذهب»، «من أروع ما قرأت»، «أنت دائمًا متميز».
جميل كل هذا التشجيع، لكن سؤالًا يراودني أحيانًا: هل قرأنا النص نفسه فعلًا، أم أن بعضنا يملك مجموعة من عبارات المديح الجاهزة، يوزعها بسخاء على كل ما يصادفه؟
دعوني أوضح موقفي منذ البداية: أنا لست ضد المجاملة، لكنني ضد المبالغة التي تجعلها تفقد معناها.
من الجميل أن نشجع بعضنا، خصوصًا في مساحة مثل «مجتمع»، حيث يشارك الناس أفكارهم وتجاربهم ومحاولاتهم الأدبية. وأعرف أن كلمة طيبة قد تمنح شخصًا مترددًا الشجاعة ليكتب مرة أخرى.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح كل منشور استثنائيًا، وكل خاطرة عبقرية، وكل قصيدة تحفة لا تتكرر!
إذا كان الجميع مبدعين طوال الوقت، فكيف نميز الإبداع الحقيقي؟
ما يزعجني ليس الثناء نفسه، بل أن يتحول أحيانًا إلى عادة لا علاقة لها بما قرأناه. وأتساءل إن كان بعضنا يكتب تعليقًا لطيفًا وهو ينتظر، ولو دون وعي، أن يجد تعليقًا مشابهًا تحت منشوره القادم.
وقد يكون السبب أبسط من ذلك. ربما نخشى أن نحرج صاحب المنشور، أو نعتقد أن الاختلاف معه سيفسد علاقتنا به، فنختار الطريق الأسهل: نمدحه ونمضي.
ولا أزعم أنني أعرف نيات الناس، فربما يكون التعليق الذي أراه مبالغًا فيه تعبيرًا صادقًا عن إعجاب صاحبه. الأذواق تختلف، وما يبدو لي عاديًا قد يلامس شخصًا آخر بعمق.
لكن هذا لا يلغي المشكلة.
برأيي، المديح المستمر قد يحرم الكاتب من شيء أهم من الإعجاب، وهو فرصة أن يرى عمله بعين مختلفة.
تخيل أن تكتب نصًا فيه فكرة جميلة، لكن بناءه ضعيف أو لغته تحتاج إلى مراجعة، ثم تتلقى عشرات التعليقات التي تؤكد أنك بلغت قمة الإبداع. هل ساعدتك هذه التعليقات حقًا؟
شخصيًا، أفضل تعليقًا يقول لي إن الفكرة أعجبته، لكن الخاتمة لم تكن موفقة، على عشرة تعليقات تصفني بالعبقرية دون أن تشير إلى جملة واحدة مما كتبت.
ليس لأنني أحب النقد أكثر من الثناء، بل لأنني أريد أن أتعلم شيئًا من الحوار.
ومع ذلك، لا أعتقد أن كل قارئ مطالب بأن يكون ناقدًا أدبيًا. من حقه أن يضغط زر الإعجاب، أو يترك كلمة لطيفة، أو يمر بصمت. فنحن على منصة اجتماعية، ولسنا في لجنة تحكيم.
كذلك لا أرى أن قلة التفاعل دليل على جودة المحتوى أو ضعفه. فقد يكون المنشور ممتازًا لكنه نُشر في وقت غير مناسب، أو لم يصل إلى جمهوره، أو يحتاج إلى تقديم أكثر جاذبية.
ولا ينبغي أن نخلط بين احترام الأشخاص والإعجاب بكل ما يكتبونه. أستطيع أن أقدّر إنسانًا وأختلف معه، وأن تعجبني فكرة لكاتب لا أعرفه، وأن أقول لصديق إن نصه هذه المرة لم يقنعني دون أن تنتهي صداقتنا.
بل أعتقد أن هذا النوع من الصراحة، حين يأتي بأدب، دليل على علاقة أكثر نضجًا.
وأتمنى أن تكون «مجتمع» مساحة نقرأ فيها قبل أن نصفق، ونناقش قبل أن نحكم، ونختلف دون أن نشعر أننا دخلنا معركة شخصية.
لا أريد أن أرى التعليقات تتحول إلى امتحان للنوايا، ولا أن يتردد أحد في التشجيع خوفًا من اتهامه بالمجاملة. كل ما أتمناه أن تحتفظ كلماتنا بقيمتها.
وأقولها عن نفسي قبل غيري: إذا نشرت شيئًا لم يعجبك، فلا تبحث عن عبارة جميلة ترضيني. قل رأيك باحترام، فقد أخرج من تعليقك بفائدة أكبر مما أخرج به من عشرات الإعجابات.
ويبقى سؤال أراه جديرًا بالنقاش:
هل نملك فعلًا الشجاعة لنسمع رأيًا صادقًا يخالفنا، أم أننا نطالب الآخرين بالصراحة ما دامت لا تتعلق بما نكتبه نحن؟
