خاطرة: على حافة اليوم التاسع والستين
خاطرة: على حافة اليوم التاسع والستين
أقف اليوم على شرفة عمري، أعدّ الأيام كما يعدّ الغريق أنفاسه... تسعة وستون عاماً، وكأنها كانت فجراً واحداً طويلاً. أتساءل: كم يوماً عشتُها حقاً؟ كم يوماً مرّ عليّ ولم أمرّ به؟
الحواس التي بين يديّ اليوم - هذه العين التي ترى، وهذا القلب الذي ينبض - ليست ملكي، بل عارية منحتها إياها الحياة لحظة، وستستردها لحظة. كم مرة مرّ الموت بجانبي، مسّ كتفي، ثم مضى؟ أصدقاء رحلوا، وأهل غادروا، ووجوه صادفتها في الطريق ثم اختفت كأنها لم تكن. وأنا... ما زلت هنا، أُمدّد أيامي فوق أيامي، كمن يرمّم بيتاً قديماً كل صباح.
لكن الأيام يا صديقي، ليست هي التي تتغير. هي نفسها البارحة واليوم وغداً: شمس تشرق، وشمس تغرب، ونهر يجري ولا يعود. الأيام كصفحة بيضاء لا تعرف ما يُكتب عليها. نحن الذين نتغير. نحن الذين نتحوّل تحت وطأة الأعوام، كحجر في النهر يصقله الماء حتى يستدير ويصغر. الأمس كنتُ أظن أنني سأبقى، واليوم أعرف أنني ضيف، وأن الضيافة تقصر كلما طال المقام.
تسعة وستون عاماً... وأتخيل نفسي لو عشتُ منها ثلاثمئة وخمسة وستين يوماً في سنة واحدة، في يوم واحد مظروب في عمري. فكم يوماً من هذه الأيام كان حياً فيّ، وكم يوماً كنتُ فيه ميتاً وأنا أمشي؟ كم صباحاً استيقظتُ فيه ولم أستيقظ؟ كم وجهاً رأيته ولم أره؟
الحياة ليست عدد الأيام التي مرّت عليك، بل عدد الأيام التي مرّت بك وأنت واعٍ أنها تمر. من عاش عاماً كاملاً بقلب غافل، عاش يوماً واحداً مكرراً ثلاثمئة مرة. ومن عاش يوماً واحداً بقلب حاضر، عاش عاماً في ساعة.
اليوم، وأنا أقف هنا، أدرك أن ما بقي لي من العمر ليس ما تبقى من الأيام، بل ما تبقى من الحضور. سأعدّ أنفاسي لا سنواتي، وأحصي اللحظات لا التواريخ. فالأيام لا تتغير... لكنني أنا الذي تغيّر، وربما هذا التغيّر هو أعظم ما وهبني إياه العمر: أن أعرف أنني كنت هنا، وأنني ما زلت... بفضل الله... هنا.
جعفر بن علي بن حمو إگجيم ✏️✍️

18