
مقال 3 دقائق للقراءة
شذرات من الحقيقة والمجاز..
. 🔹 أولًا: الكلام الحقيقي هو استعمال اللفظ في معناه الأصلي الذي وُضع له في اللغة. فإذا قلنا: «رأيت أسدًا في الغابة»، فالمقصود هو الحيوان المعروف، وهذا استعمال حقيقي. والأصل في الكلام حمله على الحقيقة، ما لم توجد قرينة تدل على إرادة معنى آخر. 🔹 ثانيًا: المجاز المجاز هو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي، لعلاقة بين المعنيين، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الأصلي. فإذا قلنا: «رأيت أسدًا يقود الجيش»، فإننا لا نقصد الحيوان، وإنما رجلًا شجاعًا. وهنا انتقلنا من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي لعلاقة المشابهة في الشجاعة، وهذا من الاستعارة. وللمجاز فائدتان بلاغيتان مهمتان: ✅ الإيجاز: التعبير عن المعاني الواسعة بألفاظ قليلة. ✅ قوة التصوير والتأثير: نقل المعنى من مجرد خبر إلى صورة حية تثير الخيال وتُعمّق الفهم. ومن أبرز المباحث البلاغية التي ندرسها هنا: المجاز المرسل والمجاز العقلي. ⸻ أنواع المجاز :
- المجاز المرسل:
هو استعمال اللفظ في غير معناه الأصلي لعلاقة غير المشابهة، مع وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. ومن علاقاته: الجزئية، والكلية، والمحلية، والسببية، والمسبَّبية. 1️⃣ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: 17] النادي هو مكان اجتماع القوم، والمقصود هنا أن يدعو أهل ناديه وعشيرته لنصرته، وليس أن يدعو المكان نفسه. العلاقة: المحلية؛ ذُكر المكان وأُريد من يجتمعون فيه. 2️⃣ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] الإنسان لا يُدخل أصابعه كاملة في أذنيه، وإنما يُدخل أطرافها. العلاقة: الكلية؛ ذُكر الكل وأُريد الجزء، وفي التعبير تصوير لشدة الخوف. 3️⃣ ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12] يصور التعبير القرآني كثرة العيون المتفجرة من الأرض حتى كأن الأرض كلها قد أصبحت عيونًا. وهذا تصوير بليغ للمبالغة في كثرة الماء وانتشاره، وقد تناوله البلاغيون من جهة التصوير والمجاز، فلا ينحصر بالضرورة في المجاز المرسل المكاني. 4️⃣ ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: 13] من أوجه تفسير الرزق هنا المطر؛ لأنه سبب في إنبات الزرع وتحصيل الأقوات. العلاقة: المسبَّبية على هذا الوجه البلاغي؛ ذُكر الرزق، وهو المسبَّب، وأُريد المطر الذي يكون سببًا له. النوع الثاني: المجاز العقلي المجاز العقلي هو إسناد الفعل أو ما في معناه إلى غير ما هو له في الأصل، لعلاقة مع وجود قرينة تمنع إرادة الإسناد الحقيقي. والفرق الأساسي أن المجاز المرسل يتعلق باستعمال اللفظ في غير معناه الأصلي، أما المجاز العقلي فيتعلق بإسناد الفعل أو الوصف إلى غير فاعله 1️⃣ ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: 16] أُسند فعل الربح إلى التجارة، مع أن التجارة لا تربح أو تخسر بذاتها، وإنما أصحاب التجارة هم الذين يربحون أو يخسرون. العلاقة: السببية؛ لأن التجارة سبب الربح، فأُسند الفعل إليها بدلًا من أصحابها. 2️⃣ ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [يونس: 67] وُصف النهار بالإبصار، مع أن الناس هم الذين يُبصرون فيه، والنهار هو الزمن الذي يحدث فيه الإبصار. العلاقة: الزمانية. 3️⃣ ﴿بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33] أُضيف المكر إلى الليل والنهار، مع أن الماكرين هم الناس، وإنما يقع مكرهم في هذين الزمنين. العلاقة: الزمانية، من جهة إضافة المصدر إلى زمان وقوعه. لماذا يستخدم القرآن المجاز؟ لأن اللغة البليغة لا تكتفي دائمًا بنقل المعلومة، بل قد تجعل القارئ يرى المعنى ويتخيله ويشعر بأثره. فبدلًا من مجرد وصف خيبة من استبدلوا الضلالة بالهدى، يأتي التعبير: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ليصور سوء اختيارهم في صورة تجارة خاسرة. وبدلًا من الاكتفاء بوصف كثرة الماء الخارج من الأرض، يأتي التعبير: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ فيجعل المشهد كأن الأرض كلها تتفجر بالماء. وهنا تظهر قيمة دراسة البلاغة: ففهم الحقيقة والمجاز يساعدنا على إدراك دقائق التعبير القرآني، ويحمينا من حمل كل تعبير على ظاهره الحرفي دون اعتبار للسياق وأساليب العرب. ولا يعني ذلك أن كل تعبير قرآني مجاز، أو أن كل تصنيف بلاغي محل اتفاق بين العلماء؛ بل إن تحديد المجاز يحتاج إلى دراسة اللغة والسياق والقرائن. قال تعالى:﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [سورة هود: 1
مختارات
