الإدمان... حين يتحوّل الهروب من الذات إلى سجنٍ لها
ليس الإدمان مجرّد تعلّقٍ بمادّةٍ أو عادة، بل هو في جوهره علاقة مختلّة بين الإنسان ورغباته، حين يفقد القدرة على الاختيار، ويصبح أسيرًا لما كان يظنّ أنّه يملكه.
فالإدمان لا يقتصر على المخدّرات والكحول والتدخين، بل تتّسع دائرته لتشمل إدمان الهاتف، ومواقع التواصل الاجتماعي، والألعاب الإلكترونية، والتسوّق، والطعام، وحتى العلاقات الإنسانية. وقد يتخفّى أحيانًا خلف سلوكيات تبدو عادية أو مقبولة اجتماعيًّا، بينما تستنزف الوقت والإرادة وتُضعف قدرة الإنسان على إدارة حياته.
ولعلّ أخطر ما في الإدمان أنّه يبدأ غالبًا بوصفه متعةً أو وسيلةً للهروب من الملل والقلق والفراغ، ثم يتحوّل تدريجيًّا إلى حاجة، فاعتياد، ثم تبعيّة. وهنا يفقد الإنسان شيئًا من حريّته؛ إذ لا يعود يفعل ما يريد، بل ما اعتاد أن يفعله، حتى وإن كان يدرك عواقبه.
إنّ الإدمان، من منظور فلسفي، هو أحد أشكال اغتراب الإنسان عن ذاته؛ فهو يهرب من مواجهة فراغه الداخلي، فيبحث عن إشباعٍ مؤقّت يمنحه شعورًا عابرًا بالراحة، لكنّه لا يعالج أصل المشكلة.
وليس الحلّ في إدانة المدمن أو اختزال تجربته في ضعف الإرادة، بل في فهم الأسباب النفسية والاجتماعية التي تقف وراء الإدمان، وتوفير الدعم والعلاج، وإعادة بناء علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله.
فالحريّة ليست أن تفعل كلّ ما تشتهيه، بل أن تمتلك القدرة على ألّا تفعل ما يستعبدك.
وربّما كان السؤال الأعمق الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا يُدمن الإنسان؟ بل: أيّ فراغٍ في داخله يحاول أن يملأه، وأيّ ألمٍ يحاول ألّا يشعر به؟
5