
مقال 6 دقائق للقراءة
نوفمبر الذي جمع ذاكرة وطنين… من الجزائر إلى فلسطين
بين ثورة انطلقت في الجزائر سنة 1954، وإعلان استقلال فلسطيني وُلد على أرضها سنة 1988، حكاية شعبين لم تجعل الجغرافيا المسافة بينهما مقياسًا للقرب.
هناك ليلتان في تاريخ الجزائر، تفصل بينهما أربعة وثلاثون عامًا، لكنهما تتجاوران على نحو عجيب في الذاكرة الفلسطينية.
ليلة الأول من نوفمبر 1954، حين قرر الجزائريون أن يفتحوا طريقًا جديدًا نحو الاستقلال، وليلة الخامس عشر من نوفمبر 1988، حين خرج إعلان استقلال دولة فلسطين من العاصمة الجزائرية.
بين الليلتين تاريخ طويل من التضحيات والمواقف، وحكاية تقارب لا تستطيع الخرائط وحدها تفسيرها.
حين بدأ نوفمبر
في الأول من نوفمبر 1954، لم تكن الجزائر تستيقظ على حدث عابر. كانت جبهة التحرير الوطني قد بدأت عمليات مسلحة منسقة ضد الاستعمار الفرنسي، بعد أكثر من قرن على احتلال البلاد سنة 1830، وبعد عقود من المقاومة والعمل السياسي والمطالبة بالحقوق.
وصدر «بيان أول نوفمبر» ليعلن الاستقلال الوطني هدفًا واضحًا، ويدعو إلى إقامة دولة ذات سيادة، تحترم الحريات الأساسية دون تمييز ديني أو عرقي.
وراء هذه الوثيقة تفصيلة تستحق التأمل.
يذكر المركز الوطني الجزائري للدراسات والبحث في الحركة الوطنية أن إعداد البيان ارتبط بمحل خياطة في حي سيدي رمضان بأعالي القصبة، كان يملكه المناضل عيسى كشيدة.
تخيّل أن تمر واحدة من أهم وثائق تاريخ بلد من مكان تُقص فيه الأقمشة وتُصلح الملابس!
لم تكن عظمة المكان هي التي منحت الكلمات قيمتها، بل ما قرره الرجال الذين اجتمعوا فيه.
لم يكن الاستقلال قريبًا. امتدت الحرب سنوات قاسية، دفع خلالها الجزائريون أثمانًا باهظة من حياتهم وأمنهم واستقرارهم. وعرفت البلاد الاعتقالات والتهجير والعنف الذي لم يقتصر أثره على ساحات القتال.
ثم جاءت اتفاقيات إيفيان ووقف إطلاق النار في مارس 1962، وصولًا إلى الاستفتاء وإعلان الاستقلال في يوليو من العام نفسه.
هكذا أصبح الأول من نوفمبر أكبر من ذكرى اندلاع ثورة؛ أصبح تاريخًا تتذكر فيه الجزائر اللحظة التي قرر فيها شعبها أن يتحمل مسؤولية مستقبله.
ومن فلسطين، لا تبدو هذه الحكاية بعيدة.
صحيح أن التجربتين ليستا متطابقتين؛ فالاستعمار الفرنسي في الجزائر له ظروفه وبنيته ونهايته التاريخية، بينما عرفت فلسطين النكبة واللجوء والاحتلال الذي لم ينتهِ.
لكن التجربتين تلتقيان عند معنى إنساني بسيط: أن يكون للإنسان وطن يختار فيه مصيره، وأرض يستطيع أن يعيش عليها بحرية وكرامة.
ولم تبقَ العلاقة بين الجزائر وفلسطين في حدود التعاطف.
بعد استقلال الجزائر، أصبح دعم القضية الفلسطينية جزءًا بارزًا من سياستها الخارجية، وامتد إلى المحافل العربية والأفريقية والدولية.
ولعل من أجمل التفاصيل التاريخية ما حدث في نيويورك يوم 13 نوفمبر 1974.
حين وقف ياسر عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى، كان الذي يترأس الجلسة ويرحب به هو عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر آنذاك، ورئيس دورة الجمعية العامة.
قد يبدو الأمر مجرد تفصيل بروتوكولي، لكنه يحمل دلالة أعمق.
بلد انتزع استقلاله قبل اثني عشر عامًا، يحضر بصوته الدبلوماسي في لحظة يطرح فيها الفلسطينيون قضيتهم أمام العالم.
وتحفظ محاضر الأمم المتحدة تلك اللحظة، التي لم تكن فيها الجزائر بعيدة عن المشهد الفلسطيني.
ثم عاد نوفمبر… وهذه المرة كان فلسطينيًا
في سنة 1988، كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى قد أعادت الشارع الفلسطيني إلى صدارة الأحداث.
ومن 12 إلى 15 نوفمبر، انعقدت في الجزائر العاصمة الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني، بحضور قيادات منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي الخامس عشر من نوفمبر، أُعلن استقلال دولة فلسطين.
لم يكن ذلك نهاية للاحتلال، ولا إعلانًا عن سيادة فعلية مكتملة على الأرض، بل محطة سياسية وقانونية مهمة في مسار المطالبة الفلسطينية بتقرير المصير.
واللافت أن البيان السياسي للمجلس بدأ بالإشارة إلى انعقاد دورته على أرض الجزائر، ضيفًا على شعبها ورئيسها الشاذلي بن جديد.
ولم تكتف الجزائر باستضافة هذا الحدث؛ فقد كانت أول دولة تعترف بدولة فلسطين في اليوم نفسه.
ثم شهد ديسمبر 1988 تسلُّم الجزائر أوراق اعتماد أول سفير للدولة الفلسطينية المعلنة حديثًا.
وهكذا أصبح اسم الجزائر حاضرًا في وثائق الاستقلال الفلسطيني، وفي بدايات الاعتراف الدبلوماسي بالدولة.
لكن العلاقات بين الشعوب لا تعيش في قاعات المؤتمرات وحدها.
في 17 فبراير 2016، استضاف ملعب الخامس من يوليو بالجزائر العاصمة مباراة ودية بين المنتخب الفلسطيني ونظيره الجزائري الأولمبي.
فاز الفلسطينيون بهدف دون مقابل، لكن المشهد الأجمل كان في المدرجات، حيث احتفل مشجعون جزائريون بهدف الفريق الضيف كما لو أنه هدف لمنتخب بلادهم.
حتى اسم الملعب بدا جزءًا من الحكاية؛ فهو يحمل تاريخ استقلال الجزائر، ويحتضن احتفالًا بفوز فلسطين.
وبعد سنوات، في ديسمبر 2021، حين تُوّج المنتخب الجزائري بكأس العرب، رصدت الصحافة مشجعين في مقهى على شاطئ غزة يحتفلون بالانتصار، يرفعون العلم الجزائري ويرقصون الدبكة.
هناك، بعيدًا عن الدبلوماسية، كانت العلاقة تتحدث بلغة الناس.
وفي أكتوبر 2022، استضافت الجزائر توقيع فصائل فلسطينية إعلانًا للمصالحة، رحبت به الأمم المتحدة بوصفه خطوة إيجابية، مع تأكيد ضرورة تنفيذ الالتزامات. لم يكن توقيع الوثيقة كافيًا لإنهاء الانقسام، لكنه أظهر استمرار الدور الجزائري في محاولة جمع الفلسطينيين.
وهذا ما يجعل العلاقة أعمق من مناسبة احتفالية أو موقف سياسي واحد.
ما الذي يقوله نوفمبر للفلسطيني؟
لا أريد أن أختصر تاريخ الجزائر العظيم في موقفها من فلسطين؛ فالجزائريون لم يقدموا تضحياتهم كي تصبح ثورتهم مجرد مثال نستشهد به.
لقد ناضلوا من أجل وطنهم، ومن حقهم أن تُروى حكايتهم كاملة، بما فيها من آلام واختلافات وتحديات، وأن يُحتفى باستقلالهم بوصفه إنجازًا تاريخيًا يخصهم أولًا.
لكنني، كفلسطيني، أجد في نوفمبر الجزائري معنى يتجاوز حدود البلدين.
أرى شعبًا عرف معنى فقدان السيادة، ثم جعل من تجربة تحرره جزءًا من ذاكرته السياسية والإنسانية، ولم ينسَ أن هناك شعوبًا أخرى ما زالت تطالب بحقوقها.
وحين أقرأ أن الجزائر استضافت إعلان استقلال فلسطين، ثم أرى مشجعيها يحتفلون بهدف فلسطيني، أفهم أن العلاقات بين الشعوب لا تحفظها البيانات الرسمية وحدها، بل تحفظها أيضًا مشاعر الناس ومواقفهم الصغيرة.
في ذكرى الأول من نوفمبر، أبعث إلى الجزائر وشعبها تحية تقدير وامتنان.
تحية إلى الذين صنعوا استقلالها، وإلى الأجيال التي تحمل ذاكرة تلك الثورة، وإلى كل جزائري يرى في كرامة الإنسان، أيًا كان وطنه، قيمة تستحق الدفاع عنها.
من فلسطين إلى الجزائر، شكرًا لأنكم منحتم الأخوة معنى لا يحتاج في كل مرة إلى كلمات.
كل عام والجزائر حرة عزيزة… وكل عام ونوفمبر يذكّرنا بأن المسافات لا تقيس قرب القلوب.
المصادر والمراجع
المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر 1954، الجزائر. «بيان أول نوفمبر 1954 وأهداف الثورة الجزائرية». مادة تاريخية عن إعداد البيان ومكان صياغته. https://www.cnerh-nov54.dz/article/73
وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية. «تاريخ الجزائر» (History of Algeria)، التسلسل التاريخي للثورة واتفاقيات إيفيان والاستقلال عام 1962. https://www.mfa.gov.dz/discover-algeria/history-of-algeria
الأمم المتحدة، الجمعية العامة. المحضر الرسمي للجلسة رقم 2282، بتاريخ 13 نوفمبر 1974، برئاسة عبد العزيز بوتفليقة، والمتضمن خطاب ياسر عرفات الأول أمام الجمعية العامة. https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-187769/
الأمم المتحدة. «البيان السياسي وإعلان استقلال دولة فلسطين»، وثيقة A/43/827–S/20278، بتاريخ 15 نوفمبر 1988. https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-178680/
الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشؤون الدولية (PASSIA). «حالة الاعتراف بدولة فلسطين حتى يونيو 2024»، ويتضمن تاريخ اعتراف الجزائر في 15 نوفمبر 1988. https://passia.org/status-of-recognition-of-the-state-of-palestine-as-of-june-2024/
وكالة أسوشيتد برس، عبر صحيفة لوس أنجلوس تايمز. «Algeria Hosts 1st Palestine Envoy»، 18 ديسمبر 1988، بشأن استقبال الجزائر أول سفير فلسطيني. https://www.latimes.com/archives/la-xpm-1988-12-18-mn-826-story.html
لينه الصعافين ورامي اللّحام، الجزيرة الإنجليزية. «What is behind Algeria and Palestine’s footballing love affair?»، 20 ديسمبر 2021، عن مظاهر التضامن الشعبي والرياضي بين البلدين. https://www.aljazeera.com/news/2021/12/20/algeria-palestine-football-arab-cup-2021
الأمم المتحدة، مكتب المتحدث باسم الأمين العام. «ترحيب الأمين العام بتوقيع إعلان الجزائر للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية»، 15 أكتوبر 2022. https://press.un.org/en/2022/sgsm21535.doc.htm
