هو يوم واحد فقط
هو يوم واحد فقط
ما بين مطلع الشمس ومغيبها، تتلخص حكاية الكائن البشري؛ لا نملك في هذا السفر الطويل سوى هذه المسافة الضيقة الممتدة بين الشهيق والزفير، بين انبلاغ الضوء وانسحاب الظلال.
في فلسفة اليوم الواحد، ليس الزمن نهراً متدفقاً بلا نهاية، بل هو قطرة ماء واحدة تشفّ عن الوجود كله. نولد مع الفجر معلقين برعشة البدء، نتعلم السير في ظهيرة السعي المتوهجة، ثم نلملم أشتات حكايتنا حين يميل الشفق نحو العتمة. كل أعيادنا، وأحزاننا، وانتصاراتنا، وهزائمنا ليست سوى مشاهِدَ متتابعةٍ تُعرض على مسرح نهارٍ واحد.
الماضي الذي ننوح على أطلاله لم يعد سوى رماد؛ طائر احتضر وأسلم الروح، ومحاولة الإمساك به تشبه مطاردة الدخان. والمستقبل الذي نرهق أرواحنا ترقباً له ليس إلا سراباً لم تتشكل ملامحه بعد، وربما لن يطأ أرض الواقع أبداً.
الحقيقة الوحيدة، العارية والمثيرة للدهشة، هي أنك هنا الآن. تملك القلم في هذه اللحظة، وتتذوق طعم الوجود في هذه الثانية بالذات. كل صباح تفتح فيه عينيك ليس مجرد استمرار لبارحة مضت، بل هو بعثٌ جديد، وفرصةٌ كاملة لخوض الحياة بكامل ثقلها ودهشتها قبل أن يسدل الليل ستاره.
نحن لا نعيش سنواتٍ وعقوداً، بل نكرر اليوم نفسه بأشكال مختلفة... ومن أدرك حقيقة "اليوم الواحد"، عاش الحياة بأكملها في لحظة.
جعفر بن علي بن حمو إگجيم ✍️

6