كان الجو مظلماً، والازدحام يعم كل الطرق المؤدية إلى شرق العاصمة؛ في وقت يُفترض أن تذوب فيه حركة المرور. كنت داخل الطرامواي عائداً إلى البيت حين وصلنا إلى محطة "قصر المعارض"، وكانت المحطة تعج بالمسافرين، وبدا منظمو المحطة والشرطة وكأنهم يعانون من أزمة تدفق حقيقية.
نطقت عجوز كانت تقف أمامي بعبارة، وإن كانت تحمل في طياتها شيئاً من الاستهزاء والتهكم، إلا أنها لخصت المشهد: "كل هذا لأجل القراءة!". سؤال حيرني طويلاً وجعلني أستعيد ذكريات الأجيال السابقة التي طالما رسخت في أذهاننا أننا "شعب لا يقرأ ولا يهتم بالكتب"، لكن هذا المعرض يأتي عاماً بعد عام ليؤكد العكس تماماً، ويثبت أن هناك شغفاً حقيقياً بالكتاب.
غير أن هذا الكم الهائل من الناس يطرح تساؤلات مشروعة:
هل هم حقاً قراء ومتابعون ملمّون بما يقرؤون؟
وهل معرض الكتاب ظاهرة ثقافية حقيقية أم مجرد محرك اقتصادي بحت؟
لقد لفتت انتباهي ظاهرة جديدة رأيتها في المعرض خلال العام الفائت؛ إذ ظهر كُتّاب صغار السن جاؤوا لتوقيع مؤلفاتهم، وكان المعارف والأصدقاء، بل وقراء جاؤوا خصيصاً، يلتفون حولهم في كل لحظة. كُتّاب متنوعون يكتبون بلغات ثلاث.. إنه أمر لافت ومثير، يضعنا وجهاً لوجه أمام الأحكام والظنون السلبية التي تكرر دائماً بأن "هذا الجيل لا يقرأ ولا يكتب".
تلك النظرة السلبية لم يعد لها مكان، وعلينا أن نغيرها بقناعة أخرى؛ فنحن حقيقةً لا نعرف عن أنفسنا وعن طاقات بعضنا البعض الا ما نراه في حدود زاوية ضيقة لا تتعدى انفسنا.
17