
مقال دقيقتان للقراءة
بين أطلال الأمان.. وأسئلة القطار
كانت مدينتي جميلة، حتى في ظلام ليلها الدامس زهور وفراشات،
**
كانت مدينتي جميلة، حتى في ظلام ليلها الدامس زهور وفراشات، وقلوب لا نعرف للغش فيها شيئاً. كنا صغاراً، حياتنا لعب ولهو ببساطة الأشياء، ومن لا شيء نصنع الأشياء ونفرح بها..
حتى ذلك اليوم المشؤوم؛ دخل الغرباء، وأناس سذج يصفقون لهم، وما إن بانت خبث نواياهم، تبددت أشياؤنا وبتنا في خوف ورعب رهيب. وفي كل صباح نجد الأشلاء من ضحايا الانفجارات، وشوارعنا عبارة عن ماء اختلطت فيه الدماء. كنا كل ليلة لا تمر علينا بهناء، وتحولت فيها الأنفس كأننا في غابة يسودها القتل والدمار، القوي يأكل الضعيف، حتى الوعاظ منا يأكلون من أجسادنا!
فإلى متى؟ وإلى أين يصل بنا قطارنا، وأي محطة نجد فيها الأمان؟
إنها المحطة التي تاهت في زحام الدخان وصراخ الفواجع، المحطة التي نسي القطار أن يتوقف فيها منذ أن أضاع المسافرون بوصلة اليقين.
لقد كبرنا قبل الأوان، وتغيرت ملامح الأشياء في أعيننا؛ فالألعاب التي كنا نصنعها من الفراغ استُبدلت بركامٍ من الذكريات، والضحكات البسيطة التي كانت تملأ الكؤوس أملاً غرقَت في دموع الأمهات وسواد الفقد.
أصبحنا نستيقظ على فجرٍ لا يحمل شروقاً، بل يحمل عدّاداً جديداً للراحلين. ولم تكن الفجيعة في الغرباء وحدهم، بل في الذين فتحوا لهم الأبواب وصفقوا للخراب، وفي أولئك الذين اعتلا شاشاتنا ومنابرنا أصحاب اللحى والألسنة الرنانة، يتكئون على جراحنا، ويقتاتون على لحمنا الحي، يُباعون ويشترون في أوطاننا تحت اسم الدين والوعظ، والدين منهم براء.
لقد تحول الوطن من حضنٍ دافئ إلى مسرحٍ مفتوح للرعب، وصار السؤال الذي يطرق جدران الجماجم كل ليلة: هل كُتب علينا أن نكون مجرد عابري سبيل في وجعٍ لا ينتهي؟
إن القطار يواصل مسيره السريع في العتمة، يطوي المسافات على أجساد الأبرياء، ويمرّ بمحطاتٍ من الوهم والوعود الزائفة. لكننا، ورغم كل هذه الدماء التي صبغت أزقتنا، ورغم الوحوش التي ترتدي مسوح القديسين، نرقب من شباك هذا القطار المتهالك ضوءاً بعيداً..
ربما تكون محطة الأمان ليست أرضاً نصل إليها بالحديد والنار، بل هي استعادة لشيءٍ من براءة ذلك الطفل الذي كان يصنع الفرح من لا شيء. محطة تبدأ حين تستفيق العقول من سكرتها، وتنفض الأرواح عنها غبار الخنوع، ليعود للشارع لونه الأول، ولليل زهراته وفراشاته، وتسترد المدينة وجهها الأصيل الذي واراه الغبار.
#مَـنافْ_الشَّـمرْي
