«تَقْرَئِينَ كُلَّ يَوْمٍ وَتَسْمَعِينَ، تُعْجَبِينَ بِمَا قَدْ قَرَأْتِ وَمَا قَدْ سَمِعْتِ، فَتَعْلَقُ الفِكْرَةُ بِذِهْنِكِ مَشْهَداً وَمَقْطَعاً، ثُمَّ مَاذَا؟! تَبْقَى مِسَاحَةٌ فَارِغَةٌ تَطْلُبُكِ أَنْتِ، تُرِيدُكِ أَنْتِ، كَابْتِكَارٍ وَكَبُقْعَةِ ضَوْءٍ، كَخَطْوَةٍ فِي مُفْتَرَقِ الطُّرُقِ، لا بُدَّ أَنْ تَخْتَارَ طَرِيقَهَا الخَاصَّ.
يَضِجُّ رَأْسِي بِالأَفْكَارِ المُتَشَعِّبَةِ أَحْيَاناً، وَأَحْيَاناً تَتَرَتَّبُ بِحَيْثُ تَتَّضِحُ الرُّؤْيَةُ شَدِيداً، فَتَحْمِلُنِي عَلَى الكِتَابَةِ، أُ لْهَمُ الطَّرِيقَ فَأَخْتَارُ المَوْضُوعَ وَأَمْضِي مِنَ البِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ عَلَى خَطٍّ وَاحِدٍ، لا أَتَعَثَّرُ وَلا أَتَرَاجَعُ؛ فَإِنْ حَدَثَ وَأَنْ غَالَبْتُ نَفْسِي فِي الأَمْرِ، فَفَكَّرْتُ مَرَّاتٍ فِي كَلِمَةٍ وَرَجَعْتُ مَرَّاتٍ إِلَى البِدَايَةِ، فَقَدْتُ الرَّغْبَةَ فِي المَوَاصَلَةِ، وَرُبَّمَا شَعَرْتُ بِعَدَمِ الأَمَانِ وَعَدَمِ الثِّقَةِ فِي سَلامَةِ النِّيَّةِ وَتَوَفُّرِ القُدْرَةِ الحَقِيقِيَّةِ عَلَى الكِتَابَةِ؛ فَرُبَّمَا كَتَبْتُ لِأُقْنِعَ فِعْلاً بِحُجَّةِ أَفْكَارٍ وَقُوَّةِ أُسْلُوبٍ وَجَمَالِ إِيحَاءٍ، وَرُبَّمَا كَتَبْتُ لِأُرَاوِغَ عَنْ عَجْزٍ وَاضْطِرَارٍ لِلْخُرُوجِ مِنْ مَنْفَذٍ مَا، حَيْثُ تَبْهَتُ الصُّورَةُ وَتَتَحَوَّلُ الفِكْرَةُ عَنِ الغَرَضِ الأَسَاسِيِّ لِلْكِتَابَةِ.
تِلْكَ الحَالَةُ تَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فَأَتَسَاءَلُ: هَلْ كُلُّ الكُتَّابِ قَادِرُونَ عَلَى التَّشَبُّثِ بِأَصْلِ الفِكْرَةِ مَعَ الحِفَاظِ عَلَى سَلاسَةِ وَجَمَالِ الأُسْلُوبِ وَرَشَاقَةِ الأَلْفَاظِ وَصِحَّةِ المَعَانِي عِنْدَ الإِبْحَارِ فِي تَحْلِيلِهَا؟ يَفْعَلُ ذَلِكَ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ بِمَا يَكْتُبُونَ، وَمَنْ حَبَاهُمُ اللهُ بِمَلَكَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي مَجَالِ كِتَابَتِهِمْ.
يَشْغَلُنِي هَذَا العَالَمُ عَنْ نَفْسِي كَثِيراً، يُرْبِكُنِي وَيُوَجِّهُنِي إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ، وَعِنْدَمَا أَتْعَبُ مِنْ شُعُورِي بِالغِيَابِ، وَأَنْتَبِهُ إِلَى أَنَّ الوَقْتَ قَدِ انْتَهَى وَمِسَاحَتِي مَا زَالَتْ فَارِغَةً، أَقَعُ فَرِيسَةً لِلتَّسْوِيفِ شِئْتُ ذَلِكَ أَمْ أَبَيْتُ، وَكَثِيراً مَا أَنَامُ كَفَاقِدِ الشَّيْءِ الَّذِي بِوُسْعِهِ دَائِماً أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ وَأَنْ يُعْطِيَهُ لِلآخَرِينَ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ.
أَشْعُرُ بِشَيْءٍ يَدْفَعُنِي لِلْكِتَابَةِ فِي ذَاتِ الوَقْتِ الَّذِي أَشْعُرُ فِيهِ بِأَنَّنِي لَسْتُ مُتَاحَةً وَقْتاً وَالْتِزَاماً، ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ فِعْلاً، وَلَسْتُ بِمَعْرَضِ الحَدِيثِ عَنْ مَشَاكِلِ الكِتَابَةِ وَكَيْفِيَّةِ مُعَالَجَتِهَا، بَلْ أَكْتُبُ الآنَ عَمَّا يُوَاجِهُنِي مِنْ تَحَدِّيَاتِهَا...
عَلَى أَنَّ سَعَةً مَا تَبْدُو لِي فِي الأُفُقِ، وَشُعُوراً بِأَنَّ هُنَاكَ الكَثِيرَ مِنَ النُّصُوصِ فِي انْتِظَارِي، وَأَنَّنِي غالِباً اقْتَرَبْتُ!».

22