ربما يمرّ نوفمبر، وتتزاحم في الشوارع لافتات الاحتفال وترانيم الذاكرة، تُلقى الخطب وتُضاء الشموع؛ وكلها شواهد ناطقة على عظم ثورة لم تكن ككل الثورات. صحيح أن شاشات السينما، وتلك التحفة الخالدة مثل «معركة الجزائر»، قد غرست في أروحنا وميضاً لا يطفأ وأثراً عميقاً، لكن حقيقة البطولات أكبر من أن تحويها أشرطة الفن، وأعمق بكثير مما تقوله الكتب.
فالحكاية الحقيقية تبدأ من حيث لا تنتبه الكاميرات؛ تبدأ من حكايات العائلة التي تُتداول بصوت خفيض على مهل، كأنها ودائع مقدسة أُودعت في صدورنا لتبقى حيّة.
ما زلت إلى اليوم أستحضر تلك الرواية التي أودعتها جدتي في روحي، عن ذلك الصباح الذي داهم فيه صمتَ الدار وقعُ أحذية المستعمر الغاشم. كان بيتنا موطناً للخطر، وكانت هي وحدها في قلب الدار، لا يحيط بها سوى هدوء زائف؛ أمامها إبريق قهوة يتصاعد منه بخار دافئ، وتحت مقعدها رقدت وثائق سرية لو وقعت في أيديهم لكان الحتف مصير الدار وما فيها. وإلى جانبها، كان عمي الرضيع يغطّ في براءة، غير آبه بالعاصفة التي توشك أن تقتلع المكان.
في تلك اللحظة التي تتجمد فيها الأنفاس، ضربت جدتي أروع مثالٍ للثبات؛ واجهت الموت ببرودة أعصاب نادرة، وابتسامة على شفاه متماسكة، بينما كانت عيون الجنود تمسح كل أركان البيت بحثاً عن أثر. ولتبعد عنهم سوء الظن وتطفئ الشك في مهدها، التفتت إلى صغيرها، فقرصته بلطف حتى أبكى، ثم أخذت تطعمه غير عابئة بالجنود ولا بما يحملون من رعب. لقد كانت تلك الدمعة البريئة للرضيع درعاً بشرياً أخفى خلفه سِفراً كاملاً من أسرار الثورة.
فلم يكن ذلك الوضع سوى ومضة من جبل إيداع ضخم؛ فقد كانت تلك الوثائق العابرة للحدود والرقابة تعود لجدي، المجاهد الذي كان مسبل ، الذي اتخذ من الظل درعاً ومن الإيمان وطناً، يصارع الموت في كل خطوة ليبقى الوطن.
كثيرة هي القصص التي لم تُروَ، وتلك الأحداث التي طواها النسيان في زوايا التاريخ، لكنها تظل راسخة في عروقنا كأشجار الزيتون. فما فات من أول نوفمبر ليس مجرد يوم عابر في التقويم، ولا تاريخاً يُحفظ ليُنسى، بل هو نبض متجدد في ذاكرة شعبٍ أبى إلا أن يكون، وبوصلة لا تُخطئ طريق الكرامة.
14