
مقال دقيقتان للقراءة
متى سننجو ؟!!
وضعتُ سؤالي على رفِّ الأسئلة. أغلقتُ الباب. انتظرت. الذي عاد إليَّ لم يكن جوابًا. عاد الصدى. أدركتُ أن الأسئلة الكبيرة ترفض الإقامة في خانة الأجوبة، وتفضّل السكن في الوعي.
متى سننجو؟
منذ الخطوة الأولى، والإنسان يفتش عن نهايةٍ تمنحه السكينة. يقطع الأعوام. يجمع الخبرات. يحمل أسماءً كثيرة للحكمة. يبقى السؤال في عمره الأول.
الوعي حادثةٌ غريبة. كل اتساعٍ يضيف مساحةً جديدة للغموض. كل اكتشافٍ يوقظ شيئًا كان نائمًا في العتمة.
المعرفة ليست بابًا يُفتح. المعرفة بيتٌ يزداد عدد غرفه كلما ظن صاحبه أنه أكمل بناءه.
أنظر إلى الوجوه. أقرأ أعمارًا طويلة. أعثر على الخوف نفسه. يتبدل قناعه فقط. مرةً يرتدي يقينًا. مرةً يرتدي أملًا. مرةً يرتدي صبرًا. يبقى الخوف سيد المشهد.
الإنسان لا يهرب من المصير. يهرب من صورته حين يراها عاريةً من التفسيرات.
لهذا يمتلئ العالم بالحكايات. كل حكاية محاولةٌ لترميم فراغٍ قديم. كل عقيدة محاولةٌ لتنظيم الفوضى. كل يقين هدنةٌ قصيرة بين سؤالين.
أحسب أن الطريق يكشف المسافر أكثر مما يكشف الجهات. الخطوات تفضح أصحابها. المنعطفات تكتب سيرةً أعجزت الكلمات عن كتابتها.
كم مرةً ظن الإنسان أنه وصل؟ كم مرةً اكتشف أن الوصول كان بدايةً لسؤالٍ آخر؟
الفكرة التي تريح العقل طويلًا لم تولد بعد. ربما لن تولد.
الحياة ليست لغزًا ينتظر الحل. تجربةٌ يتغير معناها مع كل عينٍ تنظر إليها.
جلستُ مع نفسي زمنًا يكفي لتتبدل ملامحي في داخلي. خرجتُ بصورةٍ لم أعرفها. عرفتُ شيئًا واحدًا.
الإنسان يحمل غربته معه. المدن تؤجلها. السنوات تهذبها. اللقاءات تخفف صوتها. الغربة تبقى.
الشمس تمضي في مدارها دون تفسير. البحر يبتلع الأنهار دون احتفال. الكون يؤدي عمله بصمتٍ يليق بعظمته. الإنسان وحده يطالب الوجود بشرحٍ كامل.
ربما جاءت الحيرة هديةً ثقيلة. هديةً تحفظ التوازن بين الغرور والحقيقة.
حين يصدق الإنسان أنه فهم كل شيء، تبدأ خسارته. حين يعترف باتساع المجهول، تبدأ الرحلة.
لهذا يعود السؤال. هادئًا. قديمًا. حيًّا كما كان.
متى سننجو؟
أخشى أن النجاة ليست موعدًا. أخشى أنها الفكرة التي تمنح الطريق قدرةً على الاستمرار، حتى يمضي الإنسان عمره كاملًا، ثم يلتفت أخيرًا، فيرى أن الرحلة كلّها كانت محاولةً لفهم نفسه.
بقلم رئيس تحرير مجلة مقهى الخزامى الكاتب و الأديب : تمرد اليامي
