
مقال 3 دقائق للقراءة
دور المحبة في السير إلى الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وورثه ومن تبعهم إلى يوم الجزاء والدين.
أما بعد: ساداتي الذاكرين المحبين
وقد تضافرت أقوال العارفين والصالحين لوضع تعريفات جامعة للمحبة عبر عدة ركائز أساسية:
1. موافقة المحبوب والانقياد له
- مواطأة القلب لمراد الرب: حيث سُئل بعض الصالحين عن المحبة فقال: "مواطأة القلب لمراد الرب، أن توافق الله عزَّ وجلَّ، فتحبَّ ما أحبَّ"، و"موافقة الحبيب في المشهد والمغِيب".
- أبو يعقوب النهرجوري: قال: مدعي المحبة بلا موافقة باطل".
- ابن بطال: عرّف محبة العبد لخالقه بأنها "التزام طاعته، والانتهاء عن معاصيه"
2. الإيثار والتعلق القلبي:
- إيثار المحبوب: عُرِّفت المحبة بأنها "إيثار المحبوب على جميع المصحوب"، و"الميل الدائم بالقلب الهائم".
- عبد الله بن طاهر: وصفها بأنها "انبعاث نور من جواهر النفوس".
- مالك بن دينار: قال: "أطيب ما في الدنيا محبة الله"
3. الثبات وعدم التأثر بالجفاء:
يحيى بن معاذ: وضع ضابطاً لحقيقة المحبة الإيمانية بقوله: "حقيقة المحبة لا يزيدها البر ولا ينقصها الجفاء"
4. التواضع في الطاعة واستعظام التقصير
- من مأثور تعاريفهم للمحب الصادق: "استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك"؛ فالمحب يستصغر مهما قدّم من عمل في حق محبوبه.
وتتكامل هذه المعاني لتبين أن المحبة الصادقة في ميزان الصالحين هي امتزاج الوجدان بالعمل، حيث تثمر طاعةً واتباعاً ظاهراً وباطناً.
ثانيا: أهمية المحبة في السلوك:
تُعتبر المحبة هي المحرك الأساسي والدينامو الموجه للسلوك الإنساني؛ فالسلوك في جوهره ليس مجرد أفعال حركية جافة، بل هو انعكاس لما يفيض به القلب من مشاعر وتوجهات. وفي ميزان السلوك القويم، تعد المحبة هي الضامن لاستقامة التصرفات وثباتها.
- وتتجلى أهمية المحبة في توجيه السلوك وضبطه من خلال الركائز التالية:
1. تحويل المشقة إلى لذة (دافعية السلوك)
- سلوك بلا كلفة: عندما يمتلئ القلب بالمحبة تجاه غاية معينة أو تجاه الخالق، تتحول العبادات والتكاليف والمعاملات الصعبة من "واجبات ثقيلة" إلى "رغبات ممتعة".
- المحب لا يشعر بثقل العطاء أو مشقة التضحية؛ لأن دافعه الداخلي (الحب) أقوى بكثير من العوائق الخارجية.
2. تحقيق الطاعة الذاتية والرقابة الداخلية
- الالتزام الطوعي: القوانين والزجر قد يمنعان الإنسان من السلوك السيئ ظاهرياً خوفاً من العقوبة، لكن المحبة تضبط السلوك باطناً وظاهراً.
- فالمحبة تفعل الرقابة الذاتية التي تجعل الإنسان يترفع عن السلوكيات الخاطئة حياءً من المحبوب وإجلالاً له، لا خوفاً من سوط العقاب وحده.
3. صياغة الأخلاق الاجتماعية والسلوك مع الآخرين
- سلامة الصدر: تنعكس المحبة على السلوك الاجتماعي في صورة لين جانب، وتسامح، وكف أذى.
- الإيثار: الحب يدفع صاحبه إلى تقديم مصلحة الجماعة أو الشريك أو الصديق على مصلحة الذات، وهو أعلى درجات السلوك الأخلاقي والاجتماعي.
- الرحمة بالخلق: من أحب الخالق، أحب خلقه ورحمهم، فيتحول سلوكه مع الناس والحيوان والبيئة إلى سلوك عماده الرفق والتعمير
4)- الثبات على السلوك الإيجابي:
- السلوك المبني على مصلحة مادية أو منفعة عابرة ينتهي بمجرد انتهاء المصلحة.
- أما السلوك النابع من المحبة فهو سلوك مستدام؛ لأن منبع المحبة ثابت في النفس، فلا يغيره جفاء الآخرين ولا تتبدل قيمته بتغير الظروف.
5)- تصفية السلوك من أمراض القلوب (الرياء والنفاق)
المحبة تمنح السلوك صفة الإخلاص؛ فالإنسان المحب يفعل الخير بدافع الحب الخالص للخير أو لمرضاة الله، دون التفات لمدح الناس أو ثنائهم. وهذا يحمي السلوك من التلون، والنفاق، والمظاهر الخداعة.
