
مقال دقيقتان للقراءة
السيدة الفمنست... بين البحث عن الحرية والحفاظ على التوازن الإنساني بقلمى. عون البحيصي
لم تعد كلمة «فمنست» أو «نسوية» مجرد مصطلح يتردد في الأوساط الثقافية والاجتماعية، بل أصبحت قضية تثير كثيرا من النقاش والاختلاف حول مكانة المرأة وحقوقها ودورها في الأسرة والمجتمع. فمن هي السيدة الفمنست؟ وهل تعني المرأة التي تطالب بحقوقها وكرامتها واستقلال شخصيتها؟ أم أنها المرأة التي ترفض كل ما يرتبط بالأدوار التقليدية داخل الأسرة والمجتمع؟ الحقيقة أن النسوية في جوهرها حركة فكرية واجتماعية تدافع عن المساواة في الحقوق والفرص، وترفض التمييز والظلم الواقع على المرأة لمجرد كونها امرأة. وهذا حق لا ينبغي أن يكون موضع خلاف؛ فالمرأة إنسان كامل الكرامة، لها عقلها وإرادتها وطموحاتها، ومن حقها أن تتعلم وتعمل وتشارك في صناعة القرار، وأن تعيش حياة تحفظ إنسانيتها وتصون حقوقها. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتحول الدفاع عن حقوق المرأة إلى خصومة مع الرجل، أو عندما ينظر إلى العلاقة بينهما باعتبارها معركة يجب أن ينتصر فيها طرف على حساب الآخر. فالرجل ليس عدوا للمرأة، والمرأة ليست خصما للرجل. إنهما شريكان في بناء الحياة، ولكل منهما حقوق وعليه مسؤوليات. ولا يمكن لمجتمع أن يستقر إذا تحولت العلاقة بين نصفه ونصفه الآخر إلى صراع دائم. إن المرأة القوية ليست بالضرورة امرأة ترفض الزواج أو الأسرة، كما أن المرأة التي تختار بيتها وأطفالها لا تقل وعيا أو قيمة عن المرأة التي تختار العمل والقيادة وتحقيق طموحاتها المهنية. فالاختيار الحر حق، ولا يجوز فرض نموذج واحد للحياة على جميع النساء. وفي المقابل، لا يجوز استخدام العادات والتقاليد ذريعة لحرمان المرأة من حقوقها، أو تبرير العنف والإهانة والتسلط عليها. فالاحترام لا يعني إلغاء الشخصية، والقوامة لا تعني الاستبداد، والرجولة الحقيقية لا تقاس بقدرة الرجل على السيطرة، بل بقدرته على العدل والاحتواء وتحمل المسؤولية. ومن المهم أيضا أن ندرك أن بعض النساء اللواتي يرفعن شعار النسوية يحملن مطالب عادلة ومشروعة، بينما قد تتبنى أخريات أفكارا متشددة أو تصورات تصادمية. وكذلك لا يجوز تعميم الخطأ على الجميع أو محاكمة تيار فكري كامل من خلال بعض نماذجه. أنا أؤمن بأن المرأة تستحق أن تحترم لا أن تمنح كرامتها على سبيل المنة، وأن الرجل يستحق الاحترام أيضا، وأن الأسرة لا تبنى على الغلبة أو الإلغاء، بل على المودة والرحمة والتفاهم والعدل. وفي مجتمعاتنا العربية، حيث تواجه المرأة تحديات اجتماعية واقتصادية وإنسانية كبيرة، نحتاج إلى خطاب يرفع من شأنها، ويحمي حقوقها، ويفتح أمامها أبواب التعليم والعمل والمشاركة، دون أن يحول الاختلاف بين الرجل والمرأة إلى حرب لا رابح فيها. رسالتي إلى كل امرأة: كوني قوية بعلمك وأخلاقك ووعيك، ودافعي عن حقوقك دون أن تنتقصي من حقوق الآخرين. ورسالتي إلى كل رجل: لا تخش امرأة تعرف قيمتها، فالمرأة الواعية شريكة نجاح وليست تهديدا لرجولتك. فالحرية ليست تمردا على الآخر، والمساواة ليست إلغاء للاختلاف، والكرامة لا تتجزأ بين رجل وامرأة. نحن لا نحتاج إلى امرأة تنتصر على الرجل، ولا إلى رجل ينتصر على المرأة، بل نحتاج إلى إنسان ينتصر للإنسان.
