
مقال دقيقتان للقراءة
الطبّ بين قدسيّة الرّسالة وسقوط الضمير
اخترت لكم مقالاً للكاتبة جميلة بنور .. لقيمة محتواه الجريء في تناول وتشخيص أخطر معضلة قد تشوب مهنة الطب فتحرف بوصلته عن قداسة الرسالة وشرف المهنة.
مهنةُ الطبّ… ليست مجرّد حرفةٍ تُمارَس، بل رسالةٌ تُحمَل، وميثاقُ شرفٍ يُوقَّع في صمت الضمير قبل أن يُنطق على الملأ. هي ذلك الخطّ الفاصل بين الألم والرجاء، بين الانكسار واستعادة الحياة، حيث يقف الطبيب شاهدًا على هشاشة الإنسان، وحارسًا لكرامته في أضعف حالاته. الطبيبُ الحقيقيّ لا يرى في المريض مجرّد حالةٍ سريريّة أو رقمٍ في سجلّ، بل إنسانًا كامل الحكاية، له وجعٌ خفيّ، وخوفٌ لا يُقال، وأملٌ معلّق على كلمةٍ صادقة أو لمسةٍ رحيمة. لذلك، فإنّ أولى واجباته ليست في الوصفة التي يخطّها، بل في الإصغاء الذي يمنحه، وفي الطمأنينة التي يزرعها، وفي الاحترام الذي يحيط به المريض من لحظة دخوله إلى لحظة شفائه أو وداعه. الطبّ علمٌ دقيق، نعم… لكنّه أيضًا فنٌّ إنسانيّ عميق. فيه المعرفة، وفيه الحدس، وفيه مسؤولية القرار حين تتداخل الاحتمالات. الطبيب مطالبٌ بأن يُحدّث علمه، وأن يراجع نفسه، وأن يُدرك أنّ الخطأ وارد، لكنّ الإصرار عليه أو التستّر خلفه خيانةٌ لجوهر المهنة. فالاعتراف بالخطأ ليس ضعفًا، بل شجاعة أخلاقية تُنقذ ما يمكن إنقاذه، وتُعيد للثقة معناها. أمّا الإهمال، فهو أخطر من الخطأ… لأنّه اختيار، لا سهو. هو لحظةُ تهاونٍ قد تُطفئ حياةً كاملة، أو تترك جرحًا لا يُشفى. وهنا، لا يكون الطبيب قد أخطأ فحسب، بل يكون قد تخلّى عن إنسانيته قبل أن يتخلّى عن مهنيته. ثمّ يأتي الامتحان الأخطر… حين يتسلّل المال إلى قلب الرسالة. حين تتحوّل المعاناة إلى فرصة، والألم إلى فاتورة، والإنسان إلى “حالة مربحة”. هنا، لا يسقط الطبيب علميًا… بل يسقط أخلاقيًا، وهذا السقوط لا تُصلحه الشهادات ولا تُخفيه العيادات الفاخرة. فالطبّ الذي يُباع… يفقد روحه، والطبيب الذي ينسى إنسانيته… يفقد شرف المهنة، حتى وإن حافظ على اسمها. ومع ذلك… يبقى الطبّ من أنبل ما اختاره الإنسان لنفسه، حين يُمارَس كما يجب. حين يكون الطبيب يدًا تُنقذ، لا يدًا تُؤذي، وصوتًا يطمئن، لا صوتًا يُرهب، وقلبًا يشعر… قبل أن يُشخّص. إن أعظم الأطباء ليسوا أولئك الذين لا يخطئون، بل أولئك الذين لا يسمحون لخطأٍ أن يتكرّر، ولا لضميرٍ أن يصمت، ولا لإنسانٍ أن يُختزل في رقم. فالطبّ، في جوهره… ليس مهنة لإنقاذ الأجساد فقط، بل امتحانٌ لإنقاذ ما تبقّى من إنسانيتنا. وكلّ طبيبٍ، كلّ يوم… إمّا أن يُعيد لهذا العالم ثقته،أو يسرق من الناس آخر ما تبقّى لهم من أمان.
