
مقال دقيقتان للقراءة
قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
عجيبٌ أَمْرُ قومٍ إذا عجزوا عن نقضِ الحُجَّةِ فرُّوا إلى الطعنِ في صاحبِها. فإذا تكلَّمتَ بالدليل قالوا: كم عُمرك؟ وما مهنتُك؟ وكم عندك من المتابعين؟ وكيف صوتُك؟ ومن أين جئت؟ وكأنَّ الحقَّ يُعرَفُ بالأشخاص، لا بالبراهين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ ولو كانوا أهلَ علمٍ وإنصافٍ؛ لردُّوا القولَ بالقول، والحُجَّةَ بالحُجَّة، لكنَّ أكثرَ الخصوماتِ إنما تفسدُ حين يعجزُ صاحبُها عن مقارعةِ الفكرة، فيلوذُ بالسخرية، والتشغيب، والشخصنة، والعبثِ بالألفاظ. وقد رأينا أقوامًا لا يجرؤون على صعودِ المنصَّة ومواجهةِ الطرح مواجهةً علميةً صريحة، ثم تراهم في المجالس الجانبية أشجعَ الناسِ لسانًا في التهكُّم والطعن واللَّمز. وهذا عند أهلِ الإنصاف ليس قوَّةً، بل فرارٌ من أصلِ النقاش. وقد قال النبي ﷺ: «المسلمُ مَن سلِمَ المسلمونَ مِن لسانِه ويدِه» وقال ﷺ: «ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ، ولا اللَّعَّانِ، ولا الفاحشِ، ولا البذيءِ» وقال أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه: “تكلَّموا تُعرَفوا؛ فإنَّ المرءَ مخبوءٌ تحتَ لسانِه.” وقال بعضُ الحكماءِ: “لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ فلم يبقَ إلا صورةُ اللحمِ والدَّمِ.” وقالوا: “تكلَّمْ حتى أراك.” وقال الشاعر: “أيُّها السائلُ عنِّي لستَ منِّي بأخبرِ إنَّما المرءُ حديثٌ بعدهُ فاعتبرِ.” وقال الإمامُ ابنُ تيمية رحمه الله: “العاقلُ لا ينظرُ إلى مَن قال، وإنَّما ينظرُ إلى ما قال.” وكان رحمه الله من أشدِّ الناسِ إنكارًا للتعصُّبِ للأشخاص، وأعظمِهم دعوةً إلى ردِّ الأقوالِ إلى الكتابِ والسنةِ والبرهانِ الصحيح. وقال الإمامُ ابنُ القيِّم رحمه الله: “أهلُ البصائرِ ينظرون إلى المعاني، وأهلُ الدعاوى ينظرون إلى الصور.” فنحن لا نُقدِّس الأشخاص، ولا نزنُ الأقوالَ بالصياح، ولا بالشهرة، ولا بأعمارِ الرجال، بل نقول دائمًا: هات برهانَك، ثم تكلَّم. أمَّا التهكُّم، والغمز، والطعنُ في الأشخاص، والتشغيبُ على الطرح؛ فذاكَ سلاحُ مَن لا يملكُ حُجَّة. ثم إنَّ مِن تمامِ العدلِ والعقلِ أن يُعلَم: أنَّ كلَّ إنسانٍ مسؤولٌ عن نفسِه وقولِه وفعلِه، لا عن غيرِه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ فإذا أخطأ رجلٌ أو أساءَ متابعٌ أو تجاوزَ مستمعٌ؛ لم يجز أن يُجعَل ذلك دينًا لرجلٍ آخر، ولا منهجًا له، ولا تعليمًا من تعاليمه بغيرِ بيِّنةٍ وعدل. وكم مِن قومٍ عجزوا عن ردِّ الطرح، فصاروا يتعلَّقون بأفعالِ الأتباعِ، أو تصرُّفاتِ بعضِ الناسِ، ثم يقولون: هذه أخلاقُ فلان! وهذه تربيةُ فلان! وواللهِ إنَّ هذا لَمِن أظهرِ البهتانِ والكذبِ والتلبيس. فإنَّ الرجلَ يُعرفُ بأصولِه وأقوالِه ومواقفهِ المعلنة، لا بدعاوى الخصوم، ولا بتخرُّصاتِ المتعصِّبين، ولا بحكاياتِ المجالس. وسيظلُّ الفرقُ عظيمًا بين: رجلٍ يُناقشُ الفكرةَ طلبًا للحق، ورجلٍ يُناقشُ الشخصَ هربًا من الحق. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
