لقد تغيّرت… وأصبحت أقرب إلى نفسي
لقد تغيّرت… وأصبحت أقرب إلى نفسي
أصبحتُ شخصًا آخر، لا لأنني فقدتُ شيئًا من نفسي، بل لأنني تعلّمتُ أشياء كثيرة من الحياة. تغيّرتُ فعلًا، وأصبحتُ أكثر صبرًا وهدوءًا، وأقلَّ انشغالًا بما يقوله الناس أو يفعلونه. لم أعد أُحاسب أحدًا على كل تصرّف، ولا أُرهق نفسي في تفسير المواقف، فقد أدركتُ أن لكل إنسان طبعه وطريقته في الحياة، وأن راحة البال أثمن من الدخول في معارك لا تستحق.
لكنني، رغم تسامحي، لم أعد أسمح لأحد أن يمسّ كرامتي أو يتجاوز حدود الاحترام مع أسرتي؛ فهناك أمور لا تقبل المساومة، ومواقف يكون فيها الصمت تنازلًا لا يليق بالإنسان.
أصبحتُ أحبّ نفسي أكثر من الماضي، لا أنانيةً ولا غرورًا، بل لأنني فهمتُ أخيرًا أن احترام الذات أساس السلام الداخلي، وأن الإنسان حين يعرف قيمته لا يعود محتاجًا إلى إثباتها لكل عابر في حياته.
اليوم، أشعر براحة أكبر، فكريًا وذهنيًا، وأصبحتُ أكثر اعتمادًا على نفسي في مختلف الظروف. لم أعد أنتظر من الآخرين أن يصنعوا سعادتي، ولا أعلّق راحتي على رضاهم عني. أعيش ببساطة، وأقبل ما لا أستطيع تغييره، وأسعى إلى تحسين ما أستطيع، وأترك للأيام ما لا أملك له جوابًا.
لم أعد أحلم بأن أصبح غنيًّا بقدر ما أحلم بأن أكون غنيًّا بالرضا. لا أريد ثروةً تُثقل قلبي بالقلق، ولا حياةً تبدو جميلة في أعين الناس بينما تفتقر إلى الطمأنينة في داخلي. كل ما أريده هو أن أعيش بصحة جيدة، وأن أجد في نفسي راحةً لا تفسدها الظروف، وأن أحاط بأشخاص يحبونني بصدق، وأن أبادلهم المحبة والخير.
أتمنى أن يحبني الناس، لكنني تعلّمتُ ألّا أجعل محبّتهم شرطًا لسعادتي؛ فليس من الضروري أن يرضى عني الجميع، يكفيني أن أكون صادقًا مع نفسي، طيبًا في معاملتي، نقيًّا في نيتي، وألّا أظلم أحدًا أو أسمح لأحد بأن يسلبني سلامي.
لقد أدركتُ أن السعادة ليست أن نملك كل شيء، بل أن نعرف قيمة ما نملك، وأن نعيش دون أن نُستنزف في مطاردة ما لا نحتاج إليه.
أنا اليوم لا أبحث عن حياة مثالية، بل عن حياة هادئة، وقلب مطمئن، وجسد معافى، وأسرة بخير، وأيام تمرّ بسلام. أريد أن أضحك من قلبي، وأن أنام دون أن أحمل ضغائن الآخرين، وأن أستيقظ وفي نفسي رغبة جميلة في مواصلة الحياة.
لقد تغيّرتُ، نعم… لكنني لم أصبح إنسانًا آخر بقدر ما أصبحتُ الإنسان الذي كنتُ أحتاج إلى أن أكونه منذ زمن.
وفي هذه المرحلة من عمري، لم يعد يغريني أن أكون أفضل من أحد، بل يكفيني أن أكون أفضل من نفسي بالأمس، وأن أعيش ما بقي من أيامي بكرامة ورضا ومحبة.
فما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلة لا يطلب فيها من الدنيا الكثير، وإنما يطلب منها أن تترك له قلبه سليمًا، وصحته بخير، وضميره مرتاحًا، ومن يحبهم قريبين منه.
العبرة:
ليس النضج أن تتغيّر حتى تُرضي الناس، بل أن تتغيّر حتى تجد سلامك. وليس الغنى أن تملك الكثير، بل أن تشعر بأن ما لديك يكفيك، وأن قلبك لا يزال قادرًا على الحب، وأنك تستطيع أن تنام مطمئنًا وتصحو شاكرًا لله على نعمة الحياة.
✍️ جعفر بن علي بن حمو إگجيم

5