الشيطان النائم
لا تُعطِ كامل ثقتك دفعة واحدة
اجعلها تبدأ بخطوات صغيرة تنمو مع المواقف والاختبارات الحقيقية. في بدايات أي علاقة سواء كانت عمل أو صداقة أو ارتباط يميل الجميع إلى إظهار أفضل ما لديهم وهو ما يُعرف بنسخة المظهر الخارجي المثالي
والاندفاع هنا خطير لأنك تثق في الصورة التي يصدّرها الشخص لك وليس في حقيقته. المواقف اليومية الصغيرة والتعامل تحت ضغط العمل والخلافات البسيطة هي وحدها التي تكشف المعدن الحقيقي وتُظهر توافق القيم بينكما.
تماما مثل المعاملات البنكية لا يمنح البنك قرضا ضخما لشخص ليس لديه تاريخ ائتماني في العلاقات يجب تطبيق نفس المبدأ
ابدأ بمشاركة تفاصيل صغيرة غير مؤثرة على أمانك الشخصي أو المهني
ثم راقب كيف يتعامل الطرف الآخر مع هذه التفاصيل هل يحفظ السر؟ هل يدعمك؟ هل يستغلها؟
إذا نجح في هذا الاختبار الصغير حتما ستزداد مساحة الثقة خطوة إلى الأمام.
المقصود بالاختبارات ههنا ليس نصب الكمائن للآخرين بل مراقبة ردود أفعالهم الطبيعية في مواقف الحياة.
في موقف الأزمة كيف يتصرف عندما تحتاج إليه فعلياً؟
وفي موقف الخلاف هل يصون سرك ويحترمك عندما تختلفان في الرأي أم ينقلب عليك؟
وفي موقف المصلحة كيف يتعامل عندما تتعارض مصلحته الشخصية مع مصلحتك؟
كل هذا لحماية رأس مالك النفسي إن صح التعبير .
فالخيبة الناتجة عن خيانة الثقة لا تؤذي العلاقة فقط بل تؤذيك أنت شخصيا حيث تجعلك تفقد الثقة في حدسك وفي الآخرين ككل.
هناك مقولة الشهيرة لجون بريدجر من فيلم The Italian Job تلخص الفكرة بعبقرية شديدة تفصل تماما بين التعامل السطحي القائم على حسن النية وبين الوعي بالطبيعة البشرية المتقلبة.
يقول فيها "أثق في الجميع، لكني لا أثق في الشيطان الذي بداخلهم."
هذه العبارة ليست دعوة للشك المرضي بل هي تشريح واقعي لطبيعة النفس البشرية
تقرأ الإنسان ككائن مركب ليس ملاكا كاملا ولا هو شيطانا كاملا.
أن أثق في الجميع يعني أنا أتعامل مع الجانب الواعي و المهذب والأخلاقي فيك أصدق وعودك بالوضع الطبيعي ولا أفترض فيك السوء لكن لا أثق في الشيطان الذي بداخلك الشيطان هنا رمز سيكولوجي يمثل الأنانية المطلقة والغريزة غير المحكومة والخوف من الخسارة
هذا الجانب ينام في الظروف العادية لكنه يستيقظ فورا عندما يوضع الإنسان في اختبار حقيقي يهدد مصلحته أو ماله أو أمانه.
كل إنسان لديه نقطة تحول أو مستوى معين من الضغط أو الإغراء إذا وصل إليها قد يتخلى عن مبادئه وعن ثقتك به.
الشخص الذي يثق ثقة عمياء يعتقد أن صديقه أو شريكه يملك حصانة مطلقة ضد الخطأ
أما عند جون بريدجر فيقول أنا أثق بك كصديق لكني لا أثق بمدى قدرتك على مقاومة الإغراء الشديد أو الخوف الشديد لذلك الحذر ليس منك أنت بل من ضعفك البشري أمام المغريات لأن شيطانك يظهر عندما تتغير الظروف.
في الأفلام التي تدور حول السرقة والخطط المعقدة مثل فيلم The Italian Job تكون المصلحة بالملايين هنا تتجلى المقولة حرفيا
الصديق الذي يثق بك عندما تكون الخزينة فارغة قد يستيقظ شيطان طمعه عندما يرى الخزينة ممتلئة بالذهب.
كذلك في الحياة الواقعية قد يكون زميلك في العمل رائعا لكن عندما يتنافس معكم على ترقية واحدة ومصيرية قد يدفعه شيطانه لأساليب ملتوية لحماية مستقبله.
العمق الحقيقي للمقولة يكمن في طريقة تطبيقها فهي تحميك من صدمتين
أولها تحميك من الصدمة بالآخرين عندما يخذلك شخص ما لن تشعر بانهيار العالم بل ستقول لقد استيقظ شيطانه وضَعُفَ أمامه مما يجعلك تفصل بين قيمتك الذاتية وبين سلوك الآخر الخاطئ.
والثانية تمنعك من لعب دور الضحية لأنك ببساطة لم تترك رقبتك تحت رحمته بالكامل بل تركت مسافة أمان تحميك قانونيا أو ماليا أو عاطفيا.
خلاصة القول هذه المقولة تعلّمنا أن نحب البشر ونحترمهم لكن لا نؤلّههم.
صُنْ ودّ الناس وتوقّع منهم الخير ولكن لا تضعهم في مواقف تفوق قدرتهم على المقاومة ولا تمنحهم صلاحية تدمير حياتك إذا ما قرر الشيطان الذي بداخلهم الاستيقاظ فجأة
@المتابعون
#مجتمع_عام

42