ثروات تحت الأقدام
مقيمٌون و نعيش حياة الاغتراب في وطننا, وموظفٌون نعيش حياة العجز وسط أرضٍ تختزن من الخيرات ما لو أُحسن استغلاله لأغنى أهلها عن سؤال الآخرين. تلك هي المفارقة المؤلمة في اليمن؛ أرضٌ تمشي فوق كنوزها، وأجيالٌ تبحث عن لقمة عيشها بعيداً عنها.
في اليمن، لا تحتاج إلى أن تذهب بعيداً لتبحث عن الثروة، فقد تكون تحت قدميك، أو في سفح جبلٍ تعبره كل صباح، أو في وادٍ تمر بجانبه دون أن تدرك ما يخفيه من أسرار.
من جبالٍ تختزن المعادن والأحجار النفيسة، إلى سهولٍ زراعية قادرة على العطاء، وسواحل ممتدة تزخر بالثروة السمكية، وبحارٍ تختبئ في أعماقها فرص اقتصادية هائلة، فضلاً عن النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى.
لدينا أرضٌ تنبت البنّ الذي حمل اسم اليمن إلى العالم، ومدرجات زراعية تحكي قصة أجداد عرفوا كيف يصالحون الجبال ويحولون صخورها إلى حقول خضراء. ولدينا عسلٌ ومواشٍ وأسماك وموانئ ومواقع سياحية وتاريخية لو وجدت الاهتمام الكافي لأصبحت مصادر دخل لأجيال قادمة.
لكن المأساة ليست في قلة ما نملك، بل في ضآلة ما نستثمره، وفي غياب التخطيط الذي يحوّل الإمكانات إلى مشاريع، والثروات إلى فرص عمل، والأرض إلى مصدر للكرامة والاستقرار.
كم من جبلٍ مررنا بجانبه دون أن نسأل عمّا يحتويه؟ وكم من أرضٍ تركناها بوراً، وكم من ساحلٍ لم نستثمر خيراته، وكم من فرصةٍ أضعناها بينما يهاجر شبابنا بحثاً عن مستقبلٍ قد يكون قريباً منهم لو أُحسن استغلال موارد وطنهم؟
إن الثروة الحقيقية ليست مجرد معادن تُستخرج، أو آبارٍ تُحفر، أو أسماكٍ تُصاد؛ بل هي أيضاً عقولٌ تتعلم، وأيدٍ تعمل، وإدارةٌ تحسن توظيف الإمكانات، ومؤسساتٌ تحمي الموارد وتضمن وصول ثمارها إلى المجتمع.
يا لها من مفارقة أن يعيش الإنسان غريباً في وطنه، وأن يبحث عن العمل في بلاد الآخرين، بينما الأرض التي يحمل جنسيتها تختزن من الفرص ما لم يُمنح حقه من الاهتمام والاستثمار.
ليس اليمن فقيراً بطبيعته، وإنما الفقر الحقيقي أن نعيش فوق ثرواتنا دون أن نعرف قيمتها، وأن نتركها نهباً للإهمال، وأن نورّث أبناءنا أحلاماً عن وطنٍ غني، بدلاً من أن نورّثهم وطناً قادراً على تحويل غناه إلى واقع.
فمتى ندرك أن الكنوز لا قيمة لها ما لم تتحول إلى تنمية، وأن الأوطان لا تُقاس بما تختزنه أرضها فحسب، بل بما يحققه أبناؤها من تلك الثروات؟
@المتابعون
50