
مقال دقيقتان للقراءة
الآليات الاقتصادية والسياسية المكرِّسة لـ «نظام التفاهة»
الآليات الاقتصادية والسياسية المكرِّسة لـ «نظام التفاهة»
إن استمرار هيمنة "نظام التفاهة" وتغلغله في البنى الاجتماعية ليس وليد الصدفة أو العشوائية، بل هو نتاج منظومة تشابكت فيها المصالح الاقتصادية الرأسمالية مع التوظيف السياسي والوظيفي للوعي العام. ويمكن تفكيك هذه الآليات عبر مسارين رئيسيين:
أولاً: الآليات الاقتصادية (اقتصاد الانتباه ورأسمالية البيانات)
- الخوارزميات الموجهة نحو الإثارة (Engagement-Driven Algorithms): تعتمد منصات التواصل الاجتماعي الكبرى وسائط برمجية صُممت خصيصاً لتعظيم زمن بقاء المستخدم على المنصة (Time-on-Site). ولأن المشاعر البدائية كالدهشة، أو الاستفزاز، أو السخرية، أو الفضول السطحي تحقق أعلى معدلات تفاعل مقارنة بالمحتوى الرصين، فإن الخوارزميات ترفع آلياً من ظهور المحتوى السطحي وتدفن المحتوى العميق. تصبح التفاهة هنا سُلعـة مربحة تُترجم فوراً إلى عوائد إعلانية ضخمة.
- تحويل الرأسمال الرمزي إلى رأس مال مادي: أعاد السوق الاقتصادي الحديث تعريف "القيمة". لم يعد الإنتاج العلمي أو التقني أو الأدبي هو ما يحدد القيمة السوقية للفرد، بل الكتلة الحرجة من الانتباه (Attention Mass). هذا التحول يسمح بتحويل ملايين المتابعين إلى منصات تسويقية تدر أرباحاً طائلة على شركات الإعلان وصناعات الترفيه الهابط، مما يعزز استثمار رؤوس الأموال في إنتاج المزيد من الفراغ.
- تسليع الزمن وتسطيح القدرة الشرائية للوعي: تفرض الرأسمالية الاستهلاكية إيقاعاً سريعاً لا يمنح العقل فرصة للتأمل أو النقد. الوجبات الفكرية السريعة والسطحية تتماشى تماماً مع ثقافة الاستهلاك السريع (Fast Consumption)، حيث يُعامل المتلقي كمستهلك شره للمعلومات المبتورة والجاهزة، مما يقتل تدريجياً الطلب على الإنتاج المعرفي الحقيقي.
ثانياً: الآليات السياسية والمؤسسية (إدارة الوعي وتخدير المجال العام)
- صناعة "المواطن المستهلك" لا "المواطن الواعي": تستفيد الأنظمة السياسية التقليدية والبيروقراطيات المهيمنة في كثير من الأحيان —سواء عن وعي أو عبر توافق مصالح ضمني— من حالة التسطيح الثقافي. المجتمعات المبتلاة بالاستغراق في المعارك الهامشية والمحتوى التافه تكون أقل ميلاً للمساءلة السياسية، وأضعف قدرة على تشكيل جبهات ضغط تطلب الإصلاح أو التنمية الحقيقية. يصبح "الضجيج" مظلة ممتازة لصرف الانتباه عن الأزمات الهيكلية الكبرى (كالفساد، تدهور التعليم، وانهيار البنى التحتية).
- تفكيك الخطاب النقدي والمؤسسات الوسيطة: تعمل أدوات هذا النظام على تقويض دور المؤسسات الوسيطة التقليدية التي كانت تحرس المعايير (كالجامعات، والنقابات المهنية، والمؤسسات الثقافية الرصينة). عبر تهميش هذه المؤسسات وتجفيف منابع دعمها، يُترك المجال مفتوحاً أمام "الوسطاء الجدد" (المؤثرين والواجهات المصطنعة) ليكونوا حلقة الوصل الوحيدة بين السلطة والجمهور بصيغة مشوهة لا تطرح أسئلة صعبة.
- إعادة إنتاج الطاعة عبر التفاهة: حين يفقد المجتمع بوصلة المعايير العليا، تصبح الولاءات هشة وسطحية، ويسهل توجيه الكتلة البشرية العريضة عبر الشعارات الاستعراضية العاطفية. النظام السياسي هنا لا يحتاج إلى قمع فكري مباشر؛ فاستهلاك الأفراد الدائم للتفاهة يكفي لتدجين طاقاتهم النقدية وتحويلهم إلى حشود منقادة بلا مشروع تاريخي أو فكري.
إن هذا التشابك المعقد بين الخوارزميات الربحية وهندسة الوعي السياسي هو ما يجعل «نظام التفاهة» بوصفه نسقاً صلباً يصعب تفكيكه، ما لم تتبنى النخب والكفاءات الحقيقية استراتيجيات واعية لإعادة بناء منابر المعرفة المستقلة وكسر احتكار المنصات الاستهلاكية للخطاب العام.
1
